واع / المحاصصة المقيتة… حين تُدار الأوطان بعقلية الغنائم/ آراء حرة/ بقلم: أوس محمد
ليست مشكلة العراق في قلّة الكفاءات، ولا في عجز أبنائه عن البناء، بل في منظومةٍ جعلت الوصول إلى المنصب في كثير من الأحيان مرتبطاً بالانتماء والولاء والتوافقات السياسية، لا بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
في العراق، قد يمتلك الإنسان الشهادة والخبرة والنزاهة، لكنه لا يمتلك المفتاح الذي يفتح له أبواب المسؤولية؛ لأن المفتاح أحياناً ليس الكفاءة، بل المحاصصة!
وهنا تكمن الكارثة.
حين تتحول المناصب إلى حصص تتقاسمها القوى السياسية، يصبح السؤال: من أي جهة أنت؟ بدلاً من السؤال: ماذا تستطيع أن تقدم للعراق؟ وحين يصبح الولاء مقدماً على الإنجاز، لا ينبغي أن نستغرب تراجع المؤسسات، وتعثر الخدمات، وضياع الفرص، وهجرة العقول التي لم تجد في وطنها المكان الذي تستحقه.
أي منطق يقبل أن يُهمَّش صاحب الخبرة، بينما يتقدم عليه من لا يمتلك سوى الغطاء السياسي؟ وأي عدالة هذه التي تجعل الكفاءة تنتظر عند الأبواب، فيما تُفتح الأبواب لآخرين لأنهم محسوبون على هذه الجهة أو تلك؟
لسنا ضد تمثيل مكونات الشعب العراقي، ولسنا ضد التعددية السياسية، فالعراق لجميع أبنائه، لكننا ضد أن تتحول هذه المبادئ إلى غطاء لتقاسم الدولة، وضد أن يصبح المنصب استحقاقاً حزبياً قبل أن يكون مسؤولية وطنية.
العراق ليس غنيمة انتخابية، والوزارة ليست ملكاً لحزب، والمنصب العام ليس مكافأة لمن يجيد عقد الصفقات.
المسؤول الذي يصل إلى منصبه بفضل المحاصصة قد يشعر بأنه مدين للجهة التي جاءت به أكثر من شعوره بأنه مدين للشعب الذي ينتظر منه الخدمة. وهنا تضيع الأولويات، ويصبح الحفاظ على الموقع أهم من إصلاح المؤسسة، وإرضاء الكتل أهم من إنصاف المواطن.
والأخطر من ذلك أن المحاصصة لا تسرق الحاضر وحده، بل تسرق المستقبل أيضاً. فهي تحبط الشباب، وتقتل طموح أصحاب الكفاءات، وتدفع المخلصين إلى الصمت أو الرحيل، حتى يترسخ لدى المواطن شعور مؤلم بأن النجاح في هذا البلد لا يعتمد دائماً على ما تعرفه وما تستطيع فعله، بل على من تعرف ومن يقف خلفك.
إلى متى يبقى العراق أسير هذه الدائرة؟ وإلى متى نظل نعيد تدوير الوجوه ذاتها، ثم ننتظر نتائج مختلفة؟
إن البلد الذي لا يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، إنما يضع مستقبل أبنائه في المكان الخطأ. والبلد الذي يُقصي الكفاءات لا تنقصه العقول، بل تنقصه الإرادة التي تمنح تلك العقول فرصتها.
لسنا بحاجة إلى تغيير الأسماء فقط، بل إلى تغيير القاعدة التي تُختار على أساسها الأسماء. نريد مسؤولاً يُحاسَب على عمله، ووزيراً يُقيَّم بإنجازه، ومديراً يُختار لكفاءته، لا لمقدار قربه من أصحاب النفوذ. نريد دولة مواطنة، لا دولة حصص، ومؤسسات تخدم العراقيين جميعاً، لا مؤسسات تتجاذبها المصالح الضيقة.
فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من المتنفذين، بل إلى مزيد من المخلصين. ولا يحتاج إلى توزيع المناصب بقدر ما يحتاج إلى توزيع العدالة والفرص والخدمات.
إن استمرار المحاصصة بصورتها التي تُقدّم المصالح الحزبية على المصلحة العامة يضع البلد أمام مخاطر حقيقية، ويعمّق فقدان الثقة بين المواطن والدولة. وليس من الحكمة أن ننتظر حتى تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة لكي نعترف بأن الخلل كان في طريقة الاختيار، وفي غياب المحاسبة، وفي تقديم المصالح الخاصة على مصلحة الوطن.
رسالتي إلى كل من يتصدى للمسؤولية: العراق أكبر من أحزابكم، وأبقى من تحالفاتكم، وأغلى من مقاعدكم. فالمناصب زائلة، لكن ما تتركونه في ذاكرة الناس سيبقى.
فإما أن نختار الأكفأ ليخدم العراق، وإما أن نستمر في اختيار من يخدم مصالح الجهات التي جاءت به، وعندها لن يكون سقوط الثقة بالدولة أمراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ لم يُصحَّح في الوقت المناسب.


