واع/ آلاء حسين.. فنانة بحجم الوطن، تضحكنا حيناً وتبكينا وجعاً/ اراء حرة/ بقلم: تحسين صبار
لست ناقدا فنيا بل حتى انني لا اتابع الاعمال الفنية لكن شدني احد المشاهد
في الدراما العراقية، ثمة أسماء تمر أمام المشاهد، وثمة أسماء تترك بصمتها في ذاكرته ووجدانه، وتتحول بمرور الزمن إلى جزء من ذاكرته الفنية والإنسانية. ومن بين هذه الأسماء تبرز الفنانة العراقية الاكثر من السوبر نجم آلاء حسين، التي استطاعت أن تثبت حضورها بموهبتها وقدرتها على التنقل بين الشخصيات والألوان الدرامية، من الكوميديا التي ترسم الابتسامة على وجوه الناس، إلى الدراما الإنسانية التي تستدرج الدموع من أعماق القلوب.
إن الحديث عن آلاء حسين ليس مجرد حديث عن ممثلة تؤدي أدواراً أمام الكاميرا، بل هو حديث عن فنانة تمتلك أدواتها، وتعرف كيف تمنح الشخصية روحاً، وكيف تجعل المشاهد يتفاعل معها، فيضحك لضحكتها، ويتألم لألمها، ويشعر بأن ما يراه ليس تمثيلاً عابراً، بل حكاية تشبه حياة الناس وما تختزنه من أفراح وأحزان.
من الكوميديا إلى عمق المأساة
نجحت آلاء حسين في الأدوار الكوميدية، وقدمت حضوراً لافتاً من خلال قدرتها على توظيف تعابير الوجه، ونبرة الصوت، وحركة الجسد، والتوقيت المناسب في الأداء. والكوميديا، خلافاً لما يعتقده البعض، ليست فناً سهلاً، ولا يكفي فيها إطلاق النكات أو المبالغة في الحركة؛ إنها موهبة دقيقة تتطلب ذكاءً في قراءة الشخصية وفهماً لطبيعة المجتمع وتفاصيل الحياة اليومية.
والفنان الذي يستطيع أن ينتزع الضحكة من قلب المشاهد يمتلك موهبة تستحق التقدير، لأن إضحاك الناس في زمن تتراكم فيه الهموم ليس أمراً هيناً. وقد استطاعت آلاء حسين أن تجد لنفسها مساحة في هذا اللون الفني، وأن تقدم نماذج قريبة من الناس، تستمد بعض قوتها من تفاصيل المجتمع العراقي وشخصياته المتنوعة.
لكن قيمة الفنان الحقيقية لا تتوقف عند لون واحد، ولا تُختصر في نجاحه ضمن قالب فني بعينه؛ فالاختبار الأهم يكمن في قدرته على التحول، والخروج من الصورة المألوفة، والدخول إلى عوالم إنسانية مختلفة تتطلب أدوات أخرى وإحساساً أكثر عمقاً.
وهنا تتجلى أهمية تجربة آلاء حسين في الأدوار الدرامية التي وضعتها أمام مسؤولية تجسيد الألم الإنساني، بعيداً عن أجواء الضحك والكوميديا.
أخت الشهيد.. حين يتحول التمثيل إلى وجع إنساني
من الأدوار التي تستحق الوقوف عندها دورها في تجسيد شخصية أخت الشهيد؛ وهي شخصية لا يمكن التعامل معها بوصفها دوراً تلفزيونياً عابراً، لأنها تحمل في داخلها وجع عائلة، وذاكرة فقد، وحكاية وطن دفع أبناؤه أثماناً باهظة من أجل كرامته وأمنه ومستقبله.
إن أخت الشهيد ليست مجرد شخصية تبكي أخاها الراحل، بل هي صورة للأم التي فقدت سندها، وللأب الذي انكسر جزء من قلبه، وللأطفال الذين حُرموا وجود عمهم، وللعائلة التي تحاول أن تواصل حياتها رغم أن غياب الشهيد يترك فراغاً لا يملؤه الزمن بسهولة.
وفي مثل هذه الشخصيات، لا تُقاس براعة الممثلة بعدد الدموع التي تذرفها، بل بقدرتها على نقل الإحساس بالفقد إلى المشاهد، وأن تجعل الصمت يتحدث، والنظرة تختصر حكاية، والكلمة البسيطة تحمل من الألم ما تعجز عنه الخطب الطويلة.
لقد تفاعل ملايين المشاهدين مع مشاهد تجسيد أخت الشهيد، وكان ذلك دليلاً على قوة الموضوع الإنساني الذي تناولته الشخصية، وعلى أهمية الأداء التمثيلي في إيصال المعاناة إلى الجمهور. فحين يشعر المشاهد أن الشخصية التي أمامه تشبه أختاً أو ابنة أو إنسانة يعرفها، يصبح العمل أكثر من مجرد مشهد تلفزيوني؛ يتحول إلى مساحة يستعيد فيها الناس أحزانهم وذكرياتهم ومشاعرهم التي ربما عجزوا عن التعبير عنها.
إن النجاح في تجسيد مثل هذه الشخصية يحتاج إلى إحساس عالٍ بالمسؤولية، لأن الحديث عن الشهداء وعوائلهم ليس حديثاً عن حكايات متخيلة فحسب، بل عن تضحيات حقيقية وعائلات ما زالت تحمل آثار الفقد في تفاصيل حياتها اليومية.
ومن هنا، فإن الإشادة بأداء آلاء حسين في هذا الدور لا تعني المبالغة أو وضع الفنانة فوق النقد، بل تعني الاعتراف بقيمة الأداء الذي ينجح في الاقتراب من الوجدان الجمعي، ويعيد التذكير بأن وراء كل شهيد عائلة لها حكايتها، وأملاً انقطع، وذكريات لا تغيب.
لماذا يُختزل الفنان في دور واحد؟
من المؤسف أن تتحول بعض النقاشات الفنية إلى أحكام سريعة، يُختزل فيها الفنان في مشهد، أو شخصية، أو تجربة واحدة، وكأن مسيرته الطويلة لا تستحق أن تُقرأ إلا من زاوية واحدة.
إن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى تجربة الفنان نظرة شاملة، وأن نميز بين اختلاف الآراء حول عمل معين، وبين الانتقاص من قيمة الفنان أو تجاهل ما قدمه للدراما العراقية.
آلاء حسين فنانة لها حضورها وتجربتها، ومن حقها أن تُناقش أعمالها فنياً، وأن يختلف الجمهور حول بعض اختياراتها أو أدوارها؛ فالنقد الموضوعي ضرورة لتطور الفن. لكن النقد الحقيقي هو الذي يناقش الأداء والنص والإخراج والشخصية، ويقدم رأياً يستند إلى رؤية فنية واضحة، لا إلى أحكام عامة أو انطباعات عابرة.
كما أن نجاح الفنانة في الكوميديا لا يقلل من قدرتها على تقديم الدراما، تماماً كما أن نجاحها في مشهد حزين لا يلغي موهبتها في إضحاك الجمهور. فالفنانة التي تستطيع أن تنتقل من الابتسامة إلى الدموع، ومن خفة الظل إلى ثقل المأساة، إنما تقدم دليلاً على تنوع أدواتها وقدرتها على التعامل مع مساحات مختلفة من المشاعر الإنسانية.
وليس من العدل أن نطالب الفنان بأن يبقى أسير الصورة التي أحببناه فيها، ثم نلومه عندما يحاول أن يقدم نفسه بصورة جديدة أو يخوض تجربة مختلفة.
الفن العراقي يستحق الإنصاف
لقد مرت الدراما العراقية بظروف صعبة، وعملت وسط تحديات إنتاجية واقتصادية واجتماعية معقدة، ومع ذلك بقي الفنانون العراقيون يحاولون تقديم أعمال تعبّر عن مجتمعهم، وتنقل قصص الناس، وتحفظ الذاكرة الوطنية والإنسانية.
ومن واجبنا، بوصفنا إعلاميين ومتابعين للشأن الثقافي والفني، أن ندعم التجارب الجادة، وأن نسلط الضوء على مواطن الإبداع، وأن نمارس النقد بمسؤولية، بعيداً عن التجريح والتقليل من شأن الجهود الفنية.
إن الدفاع عن فنانة مثل آلاء حسين لا يعني إغلاق باب النقد أمامها، بل يعني المطالبة بأن يكون النقد عادلاً، وأن تُقرأ تجربتها من خلال ما قدمته من أدوار، وما أظهرته من قدرة على التنوع، وما استطاعت تحقيقه من تواصل مع الجمهور.
فالفن ليس مسابقة في إرضاء الجميع، ولا توجد تجربة فنية تخلو من الاختلاف حولها. لكن هناك فارقاً كبيراً بين الاختلاف الذي يثري الحوار الثقافي، وبين الأحكام التي تتجاهل تاريخ الفنان وجهده ومكانته. وقد ابهرتني عندما اجابت على محاولة جرها ايهما افضل الوطن ام المعتقد فكان جوابها عندما احتاج الوطن انقذته العقيدة فكل منهما عين
كلمة أخيرة.. آلاء حسين بين ضحكة العراقي ودمعته
تبقى قيمة الفنان في قدرته على أن يصل إلى الناس، وأن يجعلهم يرون شيئاً من أنفسهم في الشخصيات التي يقدمها. وقد استطاعت آلاء حسين، من خلال تجربتها الفنية وتنوع أدوارها، أن تخاطب جانبين مهمين من حياة العراقيين: حاجتهم إلى الضحكة التي تخفف عنهم أعباء الحياة، وحاجتهم إلى عمل درامي صادق يلامس جراحهم ويمنح مشاعرهم صوتاً.
فحين تضحكنا، تكون قد منحتنا لحظة من الفرح وسط صعوبات الحياة، وحين تبكينا من خلال شخصية أخت الشهيد، فإنها تضعنا أمام حكاية إنسانية تستحق التأمل والاحترام.
وهنا يكمن جوهر الفن الحقيقي: أن يلامس الإنسان فينا، وأن يجعلنا أكثر قدرة على فهم بعضنا بعضاً، وأن يذكرنا بأن وراء كل دمعة حكاية، ووراء كل شهيد عائلة تستحق الوفاء، ووراء كل فنان تجربة تستحق أن تُقرأ بإنصاف.
آلاء حسين ليست مطالبة بأن تختار بين أن تكون فنانة تُضحك الناس أو فنانة تُبكيهم؛ فالموهبة الحقيقية هي أن تمتلك القدرة على الأمرين، وأن تترك في الحالتين أثراً لا يُنسى.
ولأن الإنصاف قيمة إعلامية قبل أن يكون موقفاً فنياً، فإن من حق هذه الفنانة أن تُقيّم تجربتها بموضوعية، وأن يُعترف بما قدمته للدراما العراقية، وأن يبقى الحوار حول أعمالها حواراً يحترم الفن والفنان والجمهور.


