واع / محاسبة الفاسدين واسترداد الأموال… هل تعود حقوق العراقيين أم تبقى الوعود حبيسة التصريحات؟/ آراء حرة/ بقلم: أوس محمد
إن محاسبة الفاسدين في العراق ليست مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات، ولا حملة مؤقتة تُستحضر عند اشتداد غضب الشارع، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض القانون، وحماية المال العام، وإعادة الثقة بينها وبين المواطن.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل ستتم محاسبة المتورطين في قضايا الفساد فحسب؟ بل: هل ستصل هذه المحاسبة إلى نهايتها الحقيقية، أم ستتوقف عند العقوبات والإجراءات القضائية، بينما تبقى الأموال التي أُخذت من خزينة الدولة بعيدة عن متناول العراقيين؟
المحاسبة حق… وليست تصفية حسابات
إن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن سرقة المال العام أو استغلال منصبه لتحقيق مكاسب غير مشروعة تمثل ضرورة قانونية وأخلاقية لا يمكن التهاون فيها. غير أن هذه المحاسبة يجب أن تستند إلى أدلة واضحة، وقضاء مستقل، وإجراءات عادلة تضمن عدم الإفلات من العقاب، وفي الوقت نفسه تحمي حقوق المتهمين من الاتهامات غير المثبتة.
فالدولة التي تريد بناء الثقة مع شعبها لا يكفيها أن تعلن فتح الملفات، بل عليها أن تثبت أن القانون يسري على الجميع، مهما كانت المناصب والنفوذ والعلاقات.
وإذا كانت هناك إجراءات فعلية لمحاسبة المتورطين، فإن نجاحها لا يُقاس بعدد الاعتقالات أو التصريحات، وإنما بنتائجها النهائية: أحكام قضائية عادلة، واسترداد فعلي للأموال، ومنع تكرار التجاوزات التي أهدرت موارد البلاد.
أين الضمانات التي ينتظرها الشعب؟
هنا تبدأ الأسئلة الأكثر أهمية.
ما الضمانات التي تُقدَّم للمواطن العراقي بأن الأموال المطلوب استردادها ستعود فعلاً إلى الدولة؟ ومن سيعلن حجم الأموال المستردة، ومصادرها، والجهات التي أُعيدت إليها؟ وهل ستكون هناك تقارير رسمية تكشف ما استُرد نقداً، وما صودر من عقارات وممتلكات، وما لا يزال قيد الإجراءات القانونية؟
إن الشعب لا يحتاج إلى أرقام تُعلن ثم تختفي تفاصيلها، بل يحتاج إلى منظومة شفافة يمكن من خلالها متابعة كل دينار يعود إلى الخزينة العامة.
وقد أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشأن استرداد الأموال في العراق، المنشور في حزيران 2026، إلى وجود فجوة بين المساءلة الجنائية والاسترداد الفعلي للأصول والأموال. وهذا يؤكد أن إدانة المتورط لا تعني بالضرورة أن الأموال قد عادت إلى الدولة، وأن استكمال العدالة يتطلب تتبع الأصول وتجميدها ومصادرتها وإعادتها وفق القانون.
هل ستدخل الأموال المستردة ضمن الموازنة؟
هذا هو السؤال الذي يمس حياة المواطن بصورة مباشرة.
لنفترض أن الدولة نجحت في استرداد مبالغ كبيرة من الأموال التي ثبت الاستيلاء عليها بطرق غير قانونية؛ فما مصير هذه الأموال؟ هل ستُسجَّل ضمن الإيرادات العامة وتُدار وفق القواعد المالية النافذة؟ وهل سيعرف المواطن أين ذهبت، وما المشاريع التي موّلتها، وما الخدمات التي تحسنت بفضلها؟
إن استرداد الأموال لا يحقق غايته الكاملة إذا بقي المواطن عاجزاً عن معرفة أثرها في حياته اليومية. فالعراقي الذي ينتظر مدرسة مناسبة لأطفاله، أو مستشفى يوفر العلاج، أو ماءً صالحاً للشرب، أو فرصة عمل تحفظ كرامته، من حقه أن يسأل عن العائد الحقيقي من هذه الإجراءات.
ولا بد هنا من التمييز بين استرداد الأموال قانونياً وبين تخصيصها وإنفاقها فعلياً. فإعادة المال إلى الدولة خطوة أولى، أما تحديد وجهة استخدامه فيخضع للقوانين والإجراءات المالية والموازنية المعتمدة. لذلك، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالإعلان عن الاسترداد، بل توضيح كيفية قيد الأموال والتصرف بها، والجهة الرقابية التي تتابعها، والنتائج التي تحققت بفضلها.
لا نريد استرداد الأموال بالأرقام فقط
إن أحد أهم الضمانات التي يمكن أن تعيد الثقة إلى الشارع هو نشر تقارير دورية واضحة تتضمن:
- إجمالي الأموال والأصول التي ثبتت قانونياً صلتها بجرائم الفساد.
- المبالغ التي استُردت فعلياً، لا التي صدر قرار باستردادها فحسب.
- الأموال التي لا تزال خارج العراق أو قيد النزاعات والإجراءات القضائية.
- كيفية تسجيل الأموال المستردة في حسابات الدولة، والجهات التي تتولى الرقابة عليها.
- المشاريع والخدمات التي استفادت من تلك الأموال، متى خُصصت لها وأُنفقَت فعلياً.
كما أن الرقابة البرلمانية والتدقيق المالي المستقل وإتاحة المعلومات للرأي العام، ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، يمكن أن تجعل المواطن شريكاً في مراقبة النتائج، بدلاً من أن يبقى متلقياً للوعود.
هل تكفي إعادة الأموال لإغلاق ملفات الفساد؟
من المهم أيضاً ألا تتحول إعادة الأموال إلى بديل تلقائي عن المساءلة القانونية. فاسترداد المال حق للدولة، ومحاسبة المسؤول عن الجريمة حق للمجتمع، وهما مساران متكاملان، مع مراعاة ما ينص عليه القانون والأحكام القضائية النافذة.
إن الغاية ليست استعادة الأموال فقط، بل ترسيخ قاعدة واضحة مفادها أن المال العام ليس ملكاً لمن يتولى إدارته، وأن المنصب العام مسؤولية لا وسيلة للإثراء غير المشروع.
وإذا كان هناك مجال لتسويات أو إجراءات قانونية خاصة في بعض الحالات، فيجب أن تكون ضمن النصوص النافذة، وتحت رقابة القضاء، وألا تتحول إلى باب يمنح أصحاب النفوذ امتيازات لا يحصل عليها بقية المواطنين.
الخلاصة: المواطن يريد نتيجة يلمسها
إن العراق لا يحتاج إلى معركة مؤقتة مع الفساد، بل إلى سياسة مستمرة تقوم على القانون والشفافية واستقلال المؤسسات والرقابة الفعلية.
والمواطن لا يطالب بالمستحيل؛ إنه يريد أن يرى العدالة تتحقق، والأموال تعود، والمال العام يُحمى، والخدمات تتحسن. يريد أن يعرف أن ما يُسترد لن يتحول إلى رقم جديد في بيان رسمي، بل إلى مورد يخضع للمحاسبة والرقابة ويُستخدم وفق الأولويات العامة للدولة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه الجهات المعنية بوضوح أمام الشعب العراقي: إذا كانت الدولة قادرة على ملاحقة الأموال واستردادها، فما الآلية التي ستضمن وصول أثر هذه الأموال إلى المواطن، وكيف سيتمكن من مراقبة ذلك؟
إن الإجابة عن هذا السؤال، بالأرقام والوثائق والنتائج المعلنة، هي التي ستحدد ما إذا كانت جهود مكافحة الفساد قد تحولت إلى مسار حقيقي لاستعادة الحقوق، أم أنها ما زالت في مرحلة الوعود.
فالعراقيون لا يريدون أن يسمعوا فقط أن الأموال قد عادت؛ إنهم يريدون أن يعرفوا أين ذهبت، وكيف أُنفقت، وماذا تغيّر في حياتهم بسببها.


