واع وزارة الثقافة ليست جائزة ترضية.. بل مسؤولية وطنية تحتاج إلى أهل الإختصاص د.حيدر حسون الفزع مثالاً / آراء حرة/ بقلم: الكاتب والصحفي أثير الشرع
في الدول التي تؤمن ببناء الإنسان قبل بناء الحجر، لا تُعد وزارة الثقافة وزارة ثانوية أو هامشية، بل هي العقل الذي يصوغ هوية المجتمع، والنافذة التي يطل منها الوطن على العالم، ولذلك فإن إدارة هذا القطاع لا ينبغي أن تكون خاضعة للمحاصصة السياسية أو المجاملات الحزبية، وإنما يجب أن تُسند إلى شخصية تمتلك الخبرة والرؤية والثقافة الواسعة، لقد أثبتت التجارب أن الوزارات التي يقودها متخصصون تحقق نتائج أكثر إستدامة من تلك التي تُدار بعقلية سياسية بحتة، فكما لا يمكن أن يقود وزارة الصحة شخص لا يمتلك معرفة بالشأن الصحي، أو وزارة النفط شخص يجهل هذا القطاع، فإن وزارة الثقافة تحتاج إلى مثقف وإداري وصحفي يفهم طبيعة العمل الثقافي، ويعرف إحتياجات الأدباء، الفنانين، الصحفيين والمفكرين، ويستطيع رسم سياسات ثقافية تخدم المجتمع.
إن الثقافة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل هي خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية، وهي السلاح الأهم في مواجهة التطرف، وخطاب الكراهية، والأمية الفكرية، والإنقسام المجتمعي، ومن هنا فإن إختيار وزير الثقافة ينبغي أن يكون قرارًا إستراتيجيًا، لأن أثره يمتد إلى الأجيال القادمة.
يواجه العراق اليوم تحديات ثقافية كبيرة؛ فهناك حاجة إلى إعادة الإعتبار للمسرح، ودعم السينما، وتشجيع النشر، ورعاية المبدعين، وحماية الآثار والتراث، وتطوير المؤسسات الثقافية، والإهتمام بشريحة المثقفين وتعزيز حضور العراق في المحافل العربية والدولية، هذه الملفات لا يمكن إدارتها بالشعارات، بل تحتاج إلى خبرة متخصصة وإدارة مهنية.
أن الإعلام والثقافة يمثلان جناحين متكاملين، فالإعلام ينقل الرسالة، والثقافة تصنع مضمونها، وعندما يتولى قيادة المؤسسات الإعلامية والثقافية أشخاص يمتلكون الكفاءة والخبرة، فإن الخطاب الوطني يصبح أكثر تأثيرًا ومصداقية، وتزداد قدرة الدولة على مواجهة حملات التضليل وصناعة الوعي العام.
ولعل من أهم معايير إختيار وزير الثقافة أن يكون صاحب تأريخ ثقافي معروف، وأن يمتلك علاقات مع الوسط الثقافي، وأن يؤمن بحرية الإبداع، وأن يكون قادرًا على إدارة التنوع الثقافي الذي يزخر به العراق، بعيدًا عن الإنتماءات الضيقة، إن إحترام مبدأ التخصص ليس ترفًا إداريًا، بل هو أساس نجاح مؤسسات الدولة فالدول لا تُبنى بالمحاصصة، وإنما بالكفاءة وكلما إقترب القرار من أهل الخبرة، إقتربت الدولة من النجاح.
ختامًا، إن وزارة الثقافة ليست منصبًا بروتوكوليًا، ولا مكافأة سياسية، بل هي مسؤولية وطنية تتعلق بحماية هوية العراق وصناعة وعي أجياله؛ ومن هنا فإن تكليف شخصية ثقافية متخصصة، تمتلك الخبرة والرؤية والإستقلالية، سيكون رسالة واضحة بأن الدولة تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء العقل، وأن الثقافة ليست هامشًا في مشروع الدولة، بل هي أحد أعمدته الأساسية.


