واع / مواهب العراق الكروية بين مطرقة المصالح وسندان الإهمال ، تشخيص الداء ووصفة الدواء / آراء حرة: بقلم: عباس فاضل
لم يعد تراجع اكتشاف المواهب الحقيقية في كرة القدم العراقية أمراً عابراً بل بات مؤشراً يستدعي وقفة جادة لتشخيص الأسباب والبحث عن حلول تنقذ ما تبقى من الطاقات الشابة . ولعل أحد أبرز أسباب هذا التراجع يكمن في آليات عمل بعض المدربين المحليين سواء في دوري نجوم العراق أو الدوري الممتاز حيث تتقدم المصالح الشخصية أحياناً على المصلحة الفنية وتتحول بعض التعاقدات إلى صفقات تحكمها العلاقات مع السماسرة وبعض المتنفذين في إدارات الأندية على حساب اللاعب الموهوب الذي ينتظر فرصة لإثبات قدراته .
وفي ظل هذه المنظومة تُفتح الأبواب أمام لاعبين لا يمتلكون المؤهلات الكافية فيما تُغلق بوجه مواهب حقيقية لا تجد من يتبناها أو يمنحها دقائق اللعب التي تستحقها . وتكون الضحية الأكبر أندية المحافظات والأندية محدودة الموارد والجماهيرية التي يفترض أن تكون حاضنة للمواهب ومصدراً أساسياً لتغذية المنتخبات الوطنية .
أما الأندية الجماهيرية والميسورة مادياً فتتجه في كثير من الأحيان إلى استقطاب المحترفين لسد احتياجاتها في المراكز المهمة ولا سيما في الاستحقاقات المحلية والخارجية الأمر الذي يضيّق مساحة المشاركة أمام اللاعب المحلي ويؤثر بصورة مباشرة في فرص تطوره واكتسابه الخبرة الميدانية .
إن إصلاح هذا الواقع يتطلب خطوات جريئة تبدأ بفتح الباب أمام المدربين الأجانب أصحاب التجارب الفنية القادرة على إحداث نقلة في أساليب التدريب واكتشاف المواهب بالتوازي مع وضع تشريعات ملزمة من الاتحاد العراقي لكرة القدم تفرض إشراك خمسة لاعبين شباب محليين على الأقل ضمن تشكيلات الأندية من بينهم حارس مرمى شاب لضمان حصول المواهب على فرص حقيقية لا أن تبقى حبيسة دكة البدلاء .
كما ينبغي إلزام جميع الأندية بمختلف درجاتها بالمشاركة في مسابقات الفئات العمرية بدءاً من البراعم وصولاً إلى الرديف باعتبارها القاعدة الأساسية لبناء كرة قدم مستدامة . وأن تكون هناك عقوبات إدارية رادعة بحق الأندية الممتنعة عن تنفيذ هذه الالتزامات تصل إلى سحب إجازة النادي لمدة خمس سنوات وفق ضوابط قانونية واضحة .
إن مستقبل الكرة العراقية لا يُصنع بكثرة التعاقدات ولا بحجم الأموال المصروفة على المحترفين بل بقدرتنا على اكتشاف الموهبة وصقلها ومنحها الفرصة . فالعراق لا يعاني من شح المواهب بقدر ما يعاني من غياب البيئة التي تحتضنها وحين تصبح مصلحة اللاعب الشاب فوق مصالح السماسرة وتتحول الفئات العمرية من واجب شكلي إلى مشروع وطني عندها فقط يمكن أن نؤسس جيلاً كروياً قادراً على إعادة أمجاد الكرة العراقية.


