واع / العراق بعد الانسحاب الأمريكي.. اختبار القدرة والسيادة ..!/ آراء حرة/ بقلم : المحلل الستراتيجي: عبد الغني الغضبان

في الثلاثين من أيلول، يقف العراق أمام محطة جديدة في مسارعلاقته الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يتجاوز عناوين الانسحاب ومغادرة القوات هو: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
فالانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انسحاب القدرة. فالدول لا تقاس قوتها بعدد الجنود الأجانب الموجودين على أراضيها، وإنما بقدرتها على حماية حدودها، وتأمين أجوائها ومياهها، ومواجهة الإرهاب، وجمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها، وإدارة الأزمات، وصيانة أسلحتها، واتخاذ القرار العسكري المستقل في الوقت المناسب.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي في العراق يجب ألا يكون محصوراً في سؤال: هل نريد القوات الأمريكية أم لا؟ بل ينبغي أن يكون أكثر عمقاً: هل اكتملت فعلاً منظومة القدرة العراقية التي تجعل خروج القوات الأجنبية انتقالاً طبيعياً للمسؤولية، وليس مجرد انتقال للوجود؟
لقد خاضت القوات العراقية معارك كبيرة ضد تنظيم داعش، وقدمت تضحيات جسيمة، وتمكنت بالتعاون مع التحالف الدولي من استعادة الأراضي التي سيطر عليها التنظيم. وفي الوقت نفسه، انتقلت العلاقة العسكرية العراقية الأمريكية خلال السنوات الماضية تدريجياً من العمليات القتالية إلى التدريب والاستشارة والمساعدة وتبادل المعلومات. كما أعلنت بغداد وواشنطن في عام 2024 خطة لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق والانتقال إلى علاقة أمنية ثنائية طويلة الأمد.
لكن انتهاء مهمة عسكرية لا يعني انتهاء الحاجة إلى القدرات التي كانت توفرها تلك المهمة… وهنا تكمن المسألة الأكثر أهمية.
فالعراق يمتلك قوات مسلحة وأجهزة أمنية متعددة، ولديه خبرة قتالية كبيرة، لكنه ما زال بحاجة إلى تطوير عدد من عناصر القوة الحديثة، وفي مقدمتها الاستخبارات، والاستطلاع والمراقبة، والاستطلاع الجوي، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، واللوجستيات، والصيانة، والتسليح النوعي، والقدرة على التحرك السريع بين مسارح العمليات ، وهذه القدرات لا تُبنى بقرار سياسي ولا ببيان حكومي، وإنما تحتاج إلى سنوات من التخطيط والتدريب والاستثمار وبناء المؤسسات.
ولعل التجربة العراقية نفسها تقدم درساً واضحاً: عندما ظهر تنظيم داعش عام 2014، لم تكن المشكلة في غياب المقاتلين العراقيين فقط، بل في وجود فجوات كبيرة في منظومة القيادة والسيطرة والاستخبارات والتسليح والقدرات الجوية واللوجستية. وقد ساهم الدعم الدولي، وفي مقدمته الدعم الأمريكي، في سد أجزاء مهمة من تلك الفجوات.
لذلك فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية للتعاون الأمني والعسكري. فالبيانات الرسمية الأمريكية العراقية تحدثت صراحة عن الانتقال إلى شراكة أمنية ثنائية تشمل التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات، مع استمرار التعاون لمواجهة تهديد داعش.
لكن السؤال يبقى: هل هذه الشراكة كافية؟ وهل تمتلك الدولة العراقية تصوراً واضحاً لمرحلة ما بعد الانسحاب؟
إن بناء القوة لا يعني استنساخ التجربة الأمريكية، ولا يعني الاعتماد الدائم على الخارج. على العكس تماماً، السيادة الحقيقية تقتضي أن يمتلك العراق قدراته الذاتية، وأن تكون المساعدة الخارجية عاملاً مكملاً لا بديلاً عن القدرة الوطنية.
ومن الضروري كذلك أن نميز بين مفهوم السيادة ومفهوم العزلة. فالسيادة لا تعني أن يغلق العراق أبوابه أمام التعاون الدولي، كما أن التعاون لا يعني بالضرورة انتقاصاً من السيادة. الدول الحديثة تبني قدراتها من خلال الشراكات والتدريب ونقل التكنولوجيا وتبادل المعلومات، لكنها في النهاية تحتفظ بقرارها الوطني.
والتحدي الأكبر أمام العراق في المرحلة المقبلة ربما لا يتعلق فقط بالتهديد الإرهابي، وإنما بقدرته على التعامل مع بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها الصراعات الدولية والإقليمية، وتتغير فيها طبيعة الحروب من المواجهة التقليدية إلى الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية والحرب المعلوماتية.
ولهذا فإن السؤال عن اليوم التالي يجب أن يكون سؤالاً مؤسساتياً لا سياسياً فقط.
هل تمتلك وزارة الدفاع الموارد الكافية؟ هل منظومات الدفاع الجوي قادرة على حماية الأجواء العراقية؟ هل منظومة الاستخبارات تعمل ضمن شبكة وطنية متكاملة؟ هل هناك قدرة مستدامة على صيانة الطائرات والأسلحة والمعدات؟ هل تستطيع القوات العراقية إدارة عمليات واسعة ومعقدة دون دعم خارجي مباشر؟ وهل توجد خطط واضحة للتعامل مع أي عودة محتملة لخلايا داعش أو أي تهديد جديد؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكاً بقدرة القوات العراقية، بل هي جزء من بناء القدرة نفسها.
فالقوة العسكرية الحديثة ليست دبابة وطائرة وجندياً فقط؛ إنها منظومة متكاملة من الإنسان والمعلومة والتكنولوجيا والقيادة والاقتصاد والصناعة واللوجستيات.
ومن الخطأ أن ننظر إلى خروج القوات الأمريكية باعتباره نهاية العلاقة العسكرية. فالولايات المتحدة نفسها وصفت عملية الانتقال بأنها انتقال من مهمة عسكرية للتحالف إلى شراكة أمنية ثنائية طويلة الأمد، وليس بالضرورة قطعاً لكل أشكال التعاون.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الدولة العراقية: أن تستثمر مرحلة الانتقال في بناء قدرة وطنية مستدامة، لا أن تكتفي بالاحتفال بانتهاء وجود أجنبي.
فالعراق الذي يريد قراراً أمنياً مستقلاً يحتاج إلى مؤسسة عسكرية قوية، وأجهزة أمنية مهنية، وعقيدة دفاعية واضحة، وسلاح نوعي، ومنظومة استخبارات متطورة، وإدارة موحدة للمعلومات، وضبط كامل للقرار الأمني والعسكري بيد الدولة.
إن الانسحاب السياسي إذا سبق اكتمال بناء القدرة العسكرية قد يحول السيادة من مفهوم عملي إلى مجرد شعار. أما إذا ترافق الانسحاب مع بناء المؤسسات وتطوير القدرات وإعادة تنظيم العلاقة مع الحلفاء، فإنه يمكن أن يكون خطوة في مسار طبيعي نحو دولة أكثر قدرة على حماية مصالحها.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل العراق يحتاج إلى أمريكا؟
السؤال الأكثر واقعية هو: هل العراق قادر على حماية العراق؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فعلينا أن نثبتها بالقدرات والمؤسسات لا بالشعارات.
أما إذا كانت هناك فجوات، فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة سد هذه الفجوات، لأن الأمن الوطني لا يُبنى على وجود قوة أجنبية، كما لا يُبنى على غيابها، وإنما يُبنى على قدرة الدولة على حماية أرضها وشعبها واتخاذ قرارها المستقل في كل الظروف.
الثلاثون من أيلول قد يكون موعداً لانتهاء مرحلة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ في الأول من تشرين الأول: هل يبدأ العراق يومه التالي بقدرة عراقية مكتملة، أم يبدأه باكتشاف أن الانسحاب كان أسرع من بناء البديل..