واع /الثقافة ليست حقيبة وزارية… بل اختبار للدولة / اراء حرة /بقلم : زهراء فايق علوان
في كل مرة يُفتح فيها ملف وزارة الثقافة، يعود السؤال نفسه: هل نريد وزيرًا يشغل المنصب، أم شخصية تستطيع أن تصنع فرقًا حقيقيًا؟
السؤال هذه المرة أكثر أهمية، لأن الثقافة العراقية لم تعد تحتمل أن تبقى في آخر قائمة الاهتمامات، ولا أن تكون مجرد مساحة تُدار بالترضيات السياسية. العراق بلد أنتج شعراء وموسيقيين وفنانين ومفكرين تركوا أثرهم في المنطقة، ومن غير المنطقي أن تبقى مؤسساته الثقافية تبحث عن طريقها.
المشكلة ليست في قلة الأسماء، وإنما في طريقة الاختيار.
إذا كانت الدولة تتحدث عن الإصلاح والكفاءة، فوزارة الثقافة يجب أن تكون واحدة من أولى ساحات اختبار هذه الشعارات. والاختيار الصحيح لا يبدأ من سؤال: إلى أي جهة ينتمي المرشح؟ بل من سؤال آخر أكثر أهمية: ماذا يستطيع أن يقدم؟
من هنا أرى أن اسم الدكتور حيدر حسون الفزع يستحق أن يوضع أمام أصحاب القرار بجدية، بعيدًا عن المجاملات وبعيدًا عن الحسابات الضيقة.
الفزع ليس اسمًا ظهر فجأة مع الحديث عن الوزارة. لديه سنوات من العمل في الإعلام والثقافة والأكاديميا، وعاش تفاصيل هذا الوسط، ويعرف مشكلاته من الداخل. وهذه نقطة لا يمكن تجاهلها عندما نتحدث عن مؤسسة يفترض أن تكون قريبة من المثقف والفنان والإعلامي والمبدع.
لكن الأهم من السيرة الشخصية هو ما يمكن أن يفعله أي وزير بعد وصوله إلى المنصب.
نحن لا نحتاج وزيرًا يفتتح الفعاليات ويلتقط الصور ثم تنتهي المهمة.
نحتاج وزيرًا يذهب إلى المؤسسات الثقافية ويسأل: لماذا تراجع دورها؟
يسأل الفنان: ماذا ينقصك؟
يسأل الصحفي: أين حقوقك؟
يسأل الكاتب: لماذا ابتعدت عن المؤسسة الثقافية؟
ويسأل الشباب: لماذا لا تجدون مكانًا لكم في المشهد الثقافي؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تبدأ منها وزارة الثقافة القادمة.
وأعتقد أن الدكتور حيدر الفزع يمتلك فرصة حقيقية لتقديم هذا النوع من الإدارة، إذا مُنح القرار والمساحة الكافية للعمل.
والحديث عن الفزع هنا ليس مطالبة بمنصب لشخص، وإنما مطالبة بأن تكون الكفاءة هي المعيار الأول.
لقد سئم المثقفون من أن تُدار ملفاتهم من بعيد، وسئموا من أن تتحول الثقافة إلى بند ثانوي في التوازنات السياسية. الثقافة تحتاج إلى قرار شجاع يعيدها إلى مكانها الطبيعي داخل مشروع الدولة.
ولهذا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى دولة رئيس الوزراء ليست معقدة:
اختاروا من يستطيع أن يعمل، لا من يستطيع أن يحصل على المنصب.
وإذا كان الدكتور حيدر الفزع يمتلك الخبرة والمعرفة والعلاقات الواسعة داخل الوسط الثقافي، فمن حقه أن يكون ضمن الأسماء الجدية المطروحة، ومن حق المثقفين أن يقولوا رأيهم بوضوح، ومن حق الدولة أن تختار وفق معيار الكفاءة لا وفق قاعدة المحاصصة.
قد تكون وزارة الثقافة حقيبة واحدة ضمن حكومة كاملة، لكنها بالنسبة للعراق أكبر من حقيبة.
إنها ذاكرة بلد، وصوت مجتمع، وواجهة حضارة.
ولهذا، فإن اختيار وزير الثقافة ليس تفصيلًا صغيرًا… بل رسالة سياسية وثقافية عن الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى الثقافة نفسها.
والقرار اليوم أمام دولة الرئيس.
فإما أن نكرر الطريقة ذاتها، أو نمنح الكفاءة فرصة.


