واع / دولة رئيس الوزراء… الثقافة العراقية أمانة، وحيدر الفزع خيارها / بقلم: عادل العرداوي- باحث في التراث الشعبي العراقي والبغدادي
حين نتحدث عن وزارة الثقافة، فإننا لا نتحدث عن بناية في بغداد، ولا عن كرسي وزاري، ولا عن مؤسسة إدارية تضاف إلى مؤسسات الدولة. نحن نتحدث عن العراق نفسه؛ عن ذاكرته التي تمتد من أهوار الجنوب إلى جبال الشمال، ومن البصرة والناصرية إلى الموصل والأنبار، ومن بغداد إلى النجف وكربلاء وديالى وواسط وكركوك وسائر مدن العراق وقصباته.
الثقافة العراقية أكبر من أن تُختصر بمدينة، وأعمق من أن تُختزل بفعالية أو مهرجان.
ولهذا، فإن اختيار وزير الثقافة ينبغي أن يكون مختلفاً عن اختيار أي وزير آخر؛ لأن المسؤول عن الثقافة لا يدير ملفات فقط، وإنما يتعامل مع ذاكرة شعب وهوية وطن.
ومن هنا يأتي اسم حيدر الفزع.
لا أتعامل مع هذا الاسم باعتباره اسماً جديداً ظهر في لحظة ترشيح، بل باعتباره نتاج سنوات طويلة قضاها في فضاء الأدب والإعلام والثقافة، وهي سنوات تمنح صاحبها معرفة لا تُكتسب من خلال منصب، ولا تختصرها شهادة مهما كانت مهمة.
والثقافة، في تقديري، تحتاج إلى هذه المعرفة المتراكمة.
تحتاج إلى وزير يعرف الكاتب قبل أن يعرف عنوان المؤسسة، ويعرف الفنان قبل أن يعرف رقم المعاملة، ويفهم الصحفي والمسرحي والشاعر والناقد والباحث والمترجم، ويعرف أن وراء كل واحد منهم قضية تتصل بصورة العراق وثقافته ومستقبله.
وحيدر الفزع، بما يمتلكه من تجربة في الأدب والإعلام واحتكاك طويل بالوسط الثقافي، يمتلك فرصة حقيقية لأن يكون قريباً من هذه التفاصيل.
وهذا هو جوهر المسألة.
نحن لا نبحث عن وزير يجلس خلف مكتبه، وإنما عن شخصية تستطيع أن تفتح أبواب الوزارة أمام الثقافة العراقية بكل تنوعها.
ثقافة المدن الكبرى، وثقافة المحافظات، والتراث الشعبي، والأدب الحديث، والمسرح، والفنون التشكيلية، والسينما، والصحافة الثقافية، والمكتبات، والمخطوطات، والآثار، والمهرجانات، والفعاليات التي يصنعها المثقفون بعيداً عن الأضواء.
العراق ليس لوناً ثقافياً واحداً.
في كل محافظة حكاية، وفي كل مدينة ذاكرة، وفي كل قرية موروث، وفي كل جيل أصوات جديدة تريد أن تجد من يسمعها.
ومن يعرف التراث الشعبي يعرف جيداً أن العراق لم يحفظ هويته بالكتب وحدها؛ بل حفظها بالموال والأغنية والحكاية والمثل والمقام والحرفة والعادات والتقاليد، وبذاكرة الناس التي بقيت تقاوم النسيان جيلاً بعد جيل.
لذلك فإن وزارة الثقافة تحتاج إلى من يؤمن بأن حماية التراث ليست عودة إلى الماضي، بل حماية لجذور المستقبل.
ومن هذا الباب أرى أن المطالبة بحيدر الفزع ليست مجرد مطالبة بشخص، وإنما هي دعوة إلى إعادة النظر في طريقة اختيار المسؤول الثقافي.
فإذا كانت الكفاءة والخبرة والمعرفة بالوسط الثقافي هي المعايير، فإن حيدر الفزع يستحق أن يكون حاضراً بقوة على طاولة الاختيار.
أما إذا أصبحت الثقافة مرة أخرى رهينة التوازنات والصفقات، فإن الخاسر لن يكون مرشحاً بعينه، بل ستكون الثقافة العراقية هي التي تدفع الثمن.
دولة الرئيس،
إن المثقفين لا يطلبون وزارة لأنفسهم، ولا يريدون منها امتيازاً. هم يريدون أن يروا الثقافة في المكان الذي تستحقه داخل الدولة.
والاختيار الصحيح يبدأ من سؤال بسيط:
من هو الرجل الذي يستطيع أن يفهم الثقافة العراقية بتنوعها، ويحاور أهلها، ويحمل همومها، ويحول الوزارة من مؤسسة إدارية إلى مشروع ثقافي وطني؟
أعتقد أن حيدر الفزع يمتلك ما يجعله جديراً بأن تكون تجربته موضع اختبار حقيقي.
لا لأنه الاسم الوحيد في العراق، فالعراق ولّاد بالكفاءات، وإنما لأنه اسم خرج من رحم الأدب والإعلام والثقافة، وعاش سنوات طويلة في ميادينها، وعرف أهلها ومشكلاتها وتحولاتها.
وفي زمن تتعدد فيه الخيارات، تصبح الخبرة معياراً لا يمكن تجاهله.
إن العراق لا يحتاج في وزارة الثقافة إلى وزير يعرف كيف يدير الوزارة فقط؛ بل إلى وزير يعرف لماذا وُجدت الوزارة أصلاً.
وهنا تحديداً أضع اسم حيدر الفزع أمام دولة الرئيس وأمام أصحاب القرار، لا بوصفه شعاراً، وإنما بوصفه خياراً ثقافياً يستحق الإنصاف والاختبار.
فالثقافة العراقية تستحق أن يختار لها العراق… لا أن تختارها الحسابات.


