واع / دولة رئيس الوزراء… لا تسألوا من يريد الثقافة، اسألوا إن كان حيدر الفزع هو من تحتاجه الثقافة / اراء حرة /بقلم :الكاتب والروائي ضرغام علاوي
ثمة أشياء لا تُقاس بالأرقام، ولا تُحسم بكثرة الأسماء التي تتصدر القوائم، ولا تُدار بمنطق أن لكل جهة حصتها ولكل طرف مرشحه.
الثقافة واحدة من تلك الأشياء.
فهي ليست بنايةً تحمل لافتة وزارة، ولا ملفاً ينتقل من مكتب إلى آخر، ولا مقعداً ينتظر من يشغله. الثقافة ذاكرة بلد، وصوت ناسه، ومرآة أيامه، وما يبقى من العراق حين تتغير الوجوه وتتبدل العناوين.
ومن هنا، حين يُطرح اسم حيدر الفزع لتولي وزارة الثقافة، فإن المسألة ـ في رأيي ـ تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الضجيج السياسي المعتاد.
أنا أنظر إلى الموضوع بعين الكاتب والروائي؛ والعين التي اعتادت أن تراقب الشخصيات لا تسألها فقط: ماذا تقول؟ بل تسأل أيضاً: ماذا فعلت حين لم يكن أحد يراقبها؟
وهنا تكمن أهمية هذا الترشيح.
حيدر الفزع ليس اسماً هبط فجأة على المشهد الثقافي، ولم يُصنع في موسم تشكيل الحكومات. حضوره جاء من مساحة الإعلام والثقافة والعمل العام، ومن تجربة مهنية امتدت سنوات، وهو ما يجعل طرحه للوزارة مختلفاً عن طرح اسم لا يعرف تفاصيل البيت الذي سيدخله.
والثقافة العراقية اليوم لا تحتاج وزيراً يكتفي بإدارة الملفات.
تحتاج شخصاً يعرف أن وراء كل ملف إنساناً.
وراء الكتاب مؤلفاً ينتظر فرصة.
وراء المسرح فناناً يبحث عن مساحة.
وراء الصحيفة صحفياً يريد أن يشعر أن مهنته ما زالت محترمة.
وراء اللوحة فناناً يريد أن يجد من يفهم قيمة ما يرسم.
وراء التراث العراقي ذاكرة كاملة تخشى أن تضيع.
لهذا لا أتعامل مع حيدر الفزع باعتباره «اسماً آخر» في قائمة المرشحين، بل باعتباره اختباراً لطريقة تفكيرنا في الدولة نفسها.
إذا كانت وزارة الثقافة ستبقى جزءاً من لعبة توزيع المواقع، فلن يتغير الكثير بتغيير الاسم.
أما إذا أردنا أن نقول إن الكفاءة يمكن أن تتقدم على الحسابات، وإن الوزارة يمكن أن تُمنح لمن يعرف أهلها ومشكلاتها، فهنا يصبح اختيار حيدر الفزع رسالة تتجاوز شخصه.
رسالة تقول إن الثقافة ليست جائزة ترضية.
وليست حقيبة تُسلّم لمن انتهت مهمته في مكان آخر.
وليست رقماً في معادلة سياسية.
هناك سؤال بسيط ينبغي أن يُطرح أمام صاحب القرار:
من يستطيع أن يدخل وزارة الثقافة وهو يعرف لماذا يدخلها؟
لا أملك إجابة نيابة عن دولة رئيس الوزراء، لكنني أملك أن أقول إن اسم حيدر الفزع بات مطروحاً من داخل الوسط الثقافي والإعلامي، وإن الأصوات التي تتحدث عنه لا تأتي من زاوية واحدة، بل تتسع في المشهد العام. وقد سبق أن نُشرت كتابات تؤيد طرح اسمه وتربط خبرته الإعلامية والثقافية بإمكان توليه المسؤولية.
وهذا بحد ذاته يستحق الإصغاء.
لأن الدولة القوية لا تخشى أن تسمع الأصوات المختلفة.
بل إن القرار القوي هو الذي يستمع، ثم يختار.
وأنا لا أطالب بأن يُختار حيدر الفزع لأنه حيدر الفزع فقط؛ بل لأنني أؤمن أن وزارة الثقافة يجب أن تكون أمام امتحان مختلف هذه المرة: هل نختار الرجل الذي يحتاجه المكان، أم المكان الذي يحتاجه الاتفاق السياسي؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
وحين تكون الإجابة هي الأول، يصبح اسم حيدر الفزع جديراً بأن يوضع على طاولة القرار بجدية.
دولة رئيس الوزراء…
ربما لا تحتاج الثقافة إلى مزيد من الوعود.
ربما تحتاج فقط إلى شخص يعرف أن الثقافة ليست موسماً انتخابياً، وأن المثقف ليس رقماً، وأن العراق الذي أنجب المتنبي والجواهري والسياب ونازك الملائكة لا يجوز أن يتعامل مع ثقافته باعتبارها حقيبة ثانوية في حكومة.
اختاروا للثقافة من يعرف ثقلها.
ومن يعرف أن الوزير لا يجلس فوق الثقافة، بل يقف في خدمتها.
وحينها فقط يمكن أن نقول إن الاختيار لم يكن لمنصب…
بل كان اختياراً للعراق الذي نريد


