واع / وزارة الثقافة ليست مكتباً… إنها ذاكرة العراق حيدر الفزع… الاسم الذي نضعه أمام هذه المسؤولية / آراءحرة / بقلم: ساجد سليم
ماذا نريد من وزير الثقافة؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة أكبر من اسم يوضع في كتاب رسمي، أو حقيبة تُضاف إلى قائمة الوزارات.
نريد وزيراً يفهم أن الثقافة ليست جداراً ومكتباً وموظفين، وليست نشاطاً موسمياً ينتهي بانتهاء مناسبة. نريد من يعرف أن وراء كل كتاب حكاية، وخلف كل لوحة فناناً، وفي كل مسرح ذاكرة، وفي كل قصيدة وطن، وأن العراق الذي يتحدث عنه العالم من خلال تاريخه وحضارته وفنونه يحتاج إلى من يعرف كيف يحوّل هذه الثروة إلى مشروع حي.
العراق لا يعاني من نقص في المبدعين.
لدينا أدباء وشعراء وفنانون وصحفيون ومسرحيون ومفكرون وباحثون، ولدينا إرث ثقافي لا تملكه دول كثيرة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه منذ سنوات هو: هل استطاعت المؤسسة الثقافية أن تمنح كل هذا الإبداع المكان الذي يستحقه؟
هنا تبدأ مسؤولية الوزير.
فالوزير الناجح لا يقاس بعدد الاحتفالات التي حضرها، ولا بعدد الصور التي التقطها، وإنما بقدرته على صناعة بيئة ثقافية تجعل المبدع يشعر أن الدولة تراه وتسمعه وتحترم دوره.
نحتاج إلى وزارة تخرج من روتين الفعاليات إلى صناعة المشروع.
وزارة تفتح أبوابها للكتاب والفنانين، تحمي الذاكرة العراقية، تعيد الاعتبار للمسرح، تدعم الكتاب، تلتفت إلى المحافظات، وتمنح الشباب مساحة حقيقية ليقدموا عراقاً جديداً من خلال الفن والأدب والإبداع.
ومن هنا، عندما يُطرح اسم حيدر الفزع لوزارة الثقافة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من هو حيدر؟
السؤال الأهم هو: هل يمتلك الرجل ما تحتاجه الوزارة في هذه المرحلة؟
والإجابة تحتاج إلى النظر إلى تجربته الطويلة في الصحافة والأدب والعمل الثقافي، وإلى مؤلفاته، وحضوره في الوسط الثقافي والإعلامي، ومعرفته برجاله ومؤسساته وتفاصيله، فضلاً عن تجربته الأكاديمية والمهنية.
لكن هناك أمر آخر يستحق الانتباه.
حيدر الفزع ليس اسماً جاء من خارج المشهد ليكتشف الثقافة بعد وصوله إلى الوزارة؛ إنه اسم نشأ داخل بيئتها، وعاش مع أهلها، وعرف مشاكلها وطموحاتها.
وهذه المعرفة ليست تفصيلاً صغيراً.
لأن إدارة الثقافة من الخارج تختلف تماماً عن إدارة مؤسسة يعرف صاحب قرارها لماذا يتألم الفنان، ولماذا يبحث الكاتب عن نافذة، ولماذا يشعر المسرحي أن خشبته تضيق، ولماذا يحتاج الشاب الموهوب إلى من يؤمن به قبل أن يطلب منه أن يثبت نفسه.
لقد آن الأوان أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل نريد وزيراً يدير وزارة الثقافة، أم وزيراً يعيد للثقافة حضورها؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين إدارة يومية عادية وبين مشروع ثقافي وطني.
ولهذا فإننا نضع اسم حيدر الفزع أمام دولة الرئيس، لا بوصفه مجرد اسم في سباق تشكيل الحكومة، وإنما بوصفه خياراً يستحق أن يُناقش من زاوية الثقافة نفسها.
وإذا كانت هناك مرحلة جديدة نريد أن نبنيها، فالثقافة يجب أن تكون جزءاً من هذه المرحلة، لا هامشاً فيها.
لقد امتلك العراق طوال تاريخه القدرة على إنتاج الثقافة، لكنه يحتاج اليوم إلى إدارة تعرف كيف تجمع هذا الإنتاج المتناثر في مشروع واحد.
مشروع يجعل بغداد مركزاً لا ينطفئ، والمحافظات شريكة لا متفرجة، والمبدع مواطناً فاعلاً لا ضيفاً على مؤسسات الدولة.
ومن ينجح في هذه المهمة لن يكون قد أدار وزارة فحسب؛ بل سيكون قد ساهم في حماية جزء من صورة العراق أمام أبنائه وأمام العالم.
لهذا نقول:
حيدر الفزع مطلبنا، لأننا نبحث عن وزير يعرف أن وزارة الثقافة ليست مكتباً… بل ذاكرة وطن.
ودولة الرئيس، حين تضعون الاسم أمامكم، لا تنظروا إليه بوصفه مرشحاً فقط.
انظروا إليه من خلال السؤال الأكبر:
ماذا يمكن أن تفعل الثقافة العراقية إذا وجدت أخيراً من يقودها وهو يعرف قيمتها؟
ربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي.
ليس اختبار حيدر الفزع وحده…
بل اختبار نظرتنا جميعاً إلى الثقافة .


