واع / الصورة العراقية حين تفتح نافذة على الذاكرة /آراء حرة / بقلم هاتف الثلج
أحياناً لا تحتاج البلاد إلى من يتحدث عنها، بقدر ما تحتاج إلى عين تعرف كيف تصمت أمامها، لأن بعض الأشياء لا تُقال بالكلمات، وإنما تُرى، وبعض الوجوه لا تحفظها السيرة بقدر ما تحفظها عدسة صادقة التقطت ارتعاشتها العابرة قبل أن يبتلعها الزمن، ولهذا فإن الصورة الفوتوغرافية في العراق لم تعد مجرد إطار معلّق على جدار، ولا لحظة مجمدة في ورق أو شاشة، وإنما أصبحت شهادة صامتة على وطن ظل يبدّل ملامحه تحت وطأة الحروب والتحولات والانكسارات، وظل الإنسان العراقي مع ذلك قادراً على أن يلتقط من قلب العتمة نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.من هذا المعنى يمكن قراءة النشاط الذي أقامته مؤسسة الإعلام العراقي، ممثلة بمديرها العام الدكتور حيدر حسون الفزع، ذلك الرجل الذي جعل من المؤسسة مساحة مفتوحة للثقافة والفن والإعلام، لا غرفة إدارية مغلقة على الملفات والمخاطبات، فاحتضنت المؤسسة في مقرها ببغداد معرض الصور الفوتوغرافية الذي أقامته الجمعية العراقية للتصوير، المركز العام، لفريق المشهد الفوتوغرافي، بمشاركة مجموعة من مصوري النجف الأشرف، في مناسبة لم تكن احتفالاً بالصور وحدها، وإنما احتفالاً بالعين العراقية حين تتحول من متفرج إلى شاهد، ومن شاهد إلى مؤرخ، ومن مؤرخ إلى صانع ذاكرة.
وقد جاءت الصور المشاركة معبرة ومميزة، تحمل بصمات مصوريها وتكشف مقدار ما يمتلكه المصور العراقي من حس جمالي وقدرة على التقاط التفاصيل التي تمر أمام الآخرين وكأنها لا تعني شيئاً، فالمصور الحقيقي لا يصور ما تراه العين فقط، وإنما يصور ما تعجز العين عن شرحه، يلتقط ظل الإنسان قبل أن يلتقط ملامحه، ويقرأ الحزن في زاوية الوجه، ويستخرج من شارع عابر حكاية مدينة، ومن نافذة قديمة تاريخاً كاملاً، ومن يد متعبة سيرة عمر لم تكتبها الكتب.وكان حضور الجمعية العراقية للتصوير إلى جانب مؤسسة الإعلام العراقي ورابطة رسامي الكاريكاتير في العراق، خطوة تحمل أكثر من دلالة، لأنها تقول إن المؤسسات الثقافية والفنية حين تلتقي لا ينبغي أن يكون لقاؤها مجرد بروتوكول عابر أو صورة جماعية تذهب إلى أرشيف مغلق، وإنما ينبغي أن يكون بداية لحوار طويل حول واقع المبدع العراقي، وما يحتاجه الفنانون والمصورون ورسّامو الكاريكاتير من رعاية حقيقية تحفظ لهم مكانتهم وتمنحهم فرصة الاستمرار.
وقد حدثني الزميل زهير السوداني، رئيس الجمعية العراقية للتصوير، عن واقع الجمعية وما تواجهه من صعوبات، وعن غياب الدعم الذي تحتاجه لكي تؤدي رسالتها بالصورة التي تليق بتاريخها وحجم حضورها، وهو حديث يكشف مفارقة عراقية مؤلمة؛ فبلد يمتلك هذا العدد الكبير من المبدعين، ثم يترك كثيراً من مؤسساته الثقافية والفنية تبحث عن أبسط وسائل الاستمرار، وكأن الثقافة في بلاد الرافدين أصبحت ضيفاً على موائد لا تعرف قيمة الضيوف.والأرقام هنا لا تحتاج إلى كثير من البلاغة كي تتحدث، فالجمعية العراقية للتصوير تضم نحو ثلاثة وعشرين ألف مصور، ولها ثمانية فروع وأربع روابط موزعة على المحافظات، وهذا الرقم وحده كافٍ لكي ندرك أننا أمام مؤسسة تمثل شريحة واسعة من المشتغلين بفن الصورة، وأن الحديث عن دعمها لا ينبغي أن يُعامل بوصفه ترفاً ثقافياً أو مطلباً ثانوياً، لأن الأمم التي تحترم صورتها لا تترك الذين يصنعون صورتها وحيدين في مهب الإهمال.
وقد أشار الزميل زهير السوداني إلى فكرة تحويل الجمعية إلى نقابة بعد استكمال الشروط المطلوبة، وهي فكرة تستحق النقاش الهادئ والعميق، لأن التنظيم المهني للمصورين يمكن أن يمنحهم مساحة أوسع للدفاع عن حقوقهم، وحماية نتاجهم، وترسيخ حضورهم في المشهد الثقافي والإعلامي، فالمصور الذي يطارد اللحظة في الشارع، ويقف تحت الشمس والمطر والخطر، ويعود بصورة قد تختصر مئات الكلمات، يستحق أن تكون له مظلة مهنية تحمي جهده وتصون حقوقه.أما رابطة رسامي الكاريكاتير في العراق، فلها حكاية أخرى مع أبواب المؤسسات، إذ تتمثل معاناتها، كما طُرح في اللقاء، في عدم موافقة نقابة الصحفيين ونقابة الفنانين على قبول الرابطة ضمن أطرهما، وهي مشكلة تتجاوز قضية إدارية إلى سؤال أكبر يتعلق بمكانة الكاريكاتير نفسه، فهذا الفن الساخر الذي يستطيع أحياناً أن يقول في خط واحد ما تعجز عنه صفحات كاملة، ظل على امتداد التاريخ مرآة للسلطة والمجتمع والإنسان، ولذلك فإن رسام الكاريكاتير ليس مجرد شخص يرسم وجهاً مضحكاً، وإنما هو ناقد بصري يحمل قلماً قد يكون أشد وقعاً من الخطب الطويلة.
ومن هنا جاءت الخطوة المهمة بانضمام الجمعية العراقية للتصوير ورابطة رسامي الكاريكاتير إلى مؤسسة الإعلام العراقي، وبدعم من الدكتور حيدر حسون الفزع، لتفتح باباً جديداً أمام التعاون بين المؤسسة الإعلامية والمبدعين، ولتؤكد أن الإعلام لا يعيش بالكلمة وحدها، وإنما يتنفس بالصورة، ويحتاج إلى الكاريكاتير والفن والثقافة مثلما يحتاج إلى الخبر والتحقيق والحوار. ولنا الشرف في تلبية الدعوة ومشاركة الإخوة والأصدقاء فرحتهم، وأسهامنا في توزيع الجوائز على المشاركين، في مشهد اختلطت فيه الثقافة بالمحبة، والاحتفاء بالإبداع بالتقدير الإنساني، لأن الجوائز في النهاية ليست قطعاً معدنية ولا شهادات توضع في الأدراج، وإنما هي رسالة تقول للمبدع إن هناك من رأى جهده، وإن هناك من أدرك أن الصورة التي التقطها لم تكن لحظة عابرة، وإنما قطعة صغيرة من ذاكرة وطن.لقد كان معرض فريق المشهد الفوتوغرافي لمصوري النجف الأشرف أكثر من مجموعة صور معلقة على جدران مقر مؤسسة الإعلام العراقي في بغداد؛ كان أشبه بممر سري إلى العراق الذي لا يظهر في نشرات الأخبار، العراق الذي يمشي على قدميه في الأسواق والأزقة والوجوه، العراق الذي يختبئ في التفاصيل الصغيرة، في الضوء المنسكب على نافذة، وفي ظل رجل يعبر الطريق، وفي ابتسامة امرأة، وفي عين طفل، وفي شارع يحمل آثار أعوام طويلة من الانتظار.الصورة الصادقة لا تكذب، لكنها أيضاً لا تقول كل شيء، لأنها تترك للمتلقي مهمة اكتشاف ما وراء المشهد، وهذه هي قوتها الفلسفية؛ إنها تمنحك لحظة وتطلب منك عمراً كي تفهمها، تمنحك وجهاً وتدعوك إلى البحث عن قصته، تمنحك شارعاً وتجعلك تتساءل كم إنساناً عبره، وكم حلماً سقط على رصيفه، وكم حباً بدأ فيه وانتهى، وكم جنازة مرت من المكان نفسه دون أن يعرفها التاريخ.ولذلك فإن دعم الدكتور حيدر حسون الفزع لهذه النشاطات لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه دعماً لمعرض واحد، وإنما بوصفه موقفاً من الثقافة العراقية، فالمؤسسات لا تقاس فقط بعدد الملفات التي تنجزها، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، والمؤسسة التي تفتح أبوابها للمصور والشاعر والفنان والصحفي ورسام الكاريكاتير، إنما تفتح نافذة في جدار طالما اشتكى العراقيون من سماكته.قد قال لي زهير السوداني كلاماً يحمل في داخله شيئاً من الوجع وشيئاً من الأمل، فالوجع يأتي من مؤسسة تضم عشرات الآلاف من المصورين ولا تجد الدعم الكافي، والأمل يأتي من رجال ما زالوا يؤمنون بأن الثقافة يمكن أن تعيش حتى في أصعب الظروف، وأن المبدع العراقي لم يمت، وإنما يحتاج فقط إلى من يمد يده إليه دون أن يطالبه بأن يدفع ثمن كرامته.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ العراق الذي علّم العالم الكتابة، وترك في الطين أولى صفحات الحضارة، ما زال بعض مبدعيه يبحثون عن ورقة لكي يثبتوا أنهم موجودون، وما زال المصور العراقي الذي يحفظ تفاصيل وطنه بعدسته يواجه سؤال الدعم، وكأن ذاكرة البلاد يمكن أن تُترك بلا حارس.لكن الصورة التي خرجت من هذا المعرض تقول شيئاً آخر؛ تقول إن الإبداع أقوى من الإهمال، وإن المصور يستطيع أن يحول عجز المؤسسات إلى طاقة خلق، وإن الفن حين يجد مساحة صغيرة للتنفس يستطيع أن يصنع منها سماء كاملة.ربما تنتهي المعارض، وتُرفع الصور من الجدران، وتعود القاعات إلى صمتها، لكن الصورة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء المعرض، لأنها تكون قد غادرت الإطار ودخلت الذاكرة، وحين تدخل الصورة الذاكرة تصبح عصية على النسيان، وحين تصبح عصية على النسيان تتحول إلى وثيقة، وحين تتحول إلى وثيقة تصبح جزءاً من تاريخ البلاد.لهذا كان معرض فريق المشهد الفوتوغرافي لمصوري النجف الأشرف مناسبة تستحق التوقف، لا لأن الصور كانت جميلة فحسب، بل لأنها أكدت أن في العراق عيوناً ما زالت ترى الجمال وسط الركام، وأيدياً ما زالت تمسك الكاميرا بدلاً من أن تستسلم لليأس، ومبدعين ما زالوا يصرون على أن يقولوا للعالم إن العراق الذي تعرفه نشرات السياسة ليس العراق كله، وإن وراء الأخبار المشتعلة وطناً آخر يستحق أن يُرى.وهكذا تصبح الكاميرا نوعاً من المقاومة الهادئة، مقاومة النسيان، مقاومة القبح، مقاومة محاولات اختزال العراق في أزماته، ومقاومة الزمن الذي يلتهم الوجوه والأماكن واللحظات، لأن المصور حين يضغط زر الكاميرا لا يلتقط صورة فقط، وإنما يقول للزمن: توقف قليلاً، فهذا المشهد يستحق أن يبقى.
وربما كانت أجمل ما في هذه المناسبة أنها جمعت رجالاً ونساءً من مشارب إبداعية مختلفة تحت سقف واحد، فالمؤسسة الإعلامية، والجمعية العراقية للتصوير، ورابطة رسامي الكاريكاتير، والمصورون، والفنانون، والضيوف، جميعهم كانوا في لحظة واحدة أمام سؤال واحد: كيف نحفظ للعراق ذاكرته الإبداعية قبل أن تبتلعها الأيام؟
والجواب لم يكن خطاباً ولا بياناً، وإنما كان صورة معلقة على جدار، وكاميرا في يد فنان، وضحكة في قاعة، وجائزة تسلمها مبدع، ورجل مؤسسة قرر أن يقول بالفعل قبل الكلام إن الثقافة تستحق أن تُفتح لها الأبواب.ذلك هو المعنى الأعمق لمعرض الصور؛ أن الإنسان يستطيع أن يصنع من الضوء ذاكرة، ومن الذاكرة وطناً، ومن الوطن حكاية لا يستطيع النسيان أن يهزمها.فشكراً للدكتور حيدر حسون الفزع على هذه المساحة التي منحها للمبدعين، وشكراً للزميل زهير السوداني وللجمعية العراقية للتصوير على استمرارهم رغم شح الإمكانات، وشكراً لمصوري النجف الأشرف الذين حملوا مدينتهم إلى بغداد عبر عدساتهم، وشكراً لرابطة رسامي الكاريكاتير الذين ما زالوا يؤمنون بأن الخط الساخر يمكن أن يكون أحياناً أكثر صدقاً من ألف خطاب، وشكراً لكل عين عراقية ما زالت ترى، ولكل يد ما زالت تصور، ولكل قلب ما زال يعتقد أن هذا البلد، رغم كل ما أصابه، يستحق أن يُروى بجماله لا بجراحه وحدها.وفي نهاية الحكاية، أدركت أن الصورة لم تكن معلقة على الجدار، بل كان الجدار هو المعلق بها؛ لأن العراق أكبر من إطار، وأعمق من عدسة، وأبقى من معرض، وما فعله هؤلاء المصورون أنهم سرقوا لحظات من فم الزمن قبل أن يبتلعها، وأعادوها إلينا على هيئة صور تقول، بصمتها المهيب: ما دام في العراق من يصور، فهناك من يتذكر، وما دام هناك من يتذكر، فإن الوطن لم يمت.


