واع / هوية كيان الإقليم بين القوة والسلطة في هامش نقل رواتب الموظفين من الإقليم الى المركز/آراء حرة / بقلم زانيار قادر


إبتداءأ مع ظهور البایکوت والإحتجاجات، من لدن الموظفین بصورة عامة وشریحة المعلمین والمدرسین بشکل خاص، ضد تأخیر رواتبهم والإنتقاص منها، وعدم منحهم الإستحقاقات المالیة من عند سلطات إقلیم کوردستان، وبعد ظهور الشائعات حول نقل توزیع الرواتب من الإقلیم نحو السلطة المرکزیة في بغداد کي تصبح تحت سیطرتها؛ وقف مسؤلوا الإقلیم معارضین لهذە المناشدة، معتبرین أیاها مخلأ بکرامة الإقلیم ومجدە.
ولکن الحقیقة هي أن ردود فعل هؤلاء المسؤولین ومضایقاتهم في هذە القضیة هي التي أخلت بکرامة الإقلیم، ولیست المطالبة بنقل الرواتب إلى الحکومة المرکزیة، لأنهم قاموا بکشف الأقنعة عن وجوههم الحقیقیة وعن نوعیة سلطتهم، وکشف عن کیفیة عقلیتهم حول فلسفة الحکم، لأنهم اقنعوا بموقفهم هذا، الجمیع بأن الذي یتملّك امور هذا الإقلیم، لیست السلطة في حقیقة الأمر، بل القوة هي الحاکمة.
لابد من أنە هناك إختلاف جذري في قاموس الفلسفة السیاسیة، بین هذین المفهومین، أي بین مفهوم السلطة ومفهوم القوة، ولو أنهم على أدنى معرفة بالعلوم السیاسیة وبفلسفة السیاسة؛ لأدرکوا أن السلطة السیاسیة والحکومة لاتواجە أیة مشاکل أو أزمات بتوفیر قوت مواطنیها والقیام بتدبیر أمورها المعیشیة ومتطلباتها الإقتصادیة، ولایخل أبداً بکرامتها مهما کان مصدر هذە المعیشة، ولایضرها من أین جهة حصلوا علیها.
بل ما یمس کرامة أیة حکومة کانت هي عجز الجهات المعنیة منها بضمان تدبیر قوت ومعیشة مواطنیها ورعایاها.
إن أرسطوطالیس، الذي إشتهر بأب السیاسة، قام في کتابە الشهیر (Politica) بتوضیح هذە الحقیقة بکل بساطة عندما یقول: ” إن الهدف من السیاسة هو توفیر الرفاهیة للأفراد، وأن الخطوة النهائیة للسیاسة، هي القیام بتکوین الحکومة، لأن الحکومة والسلطة کما یقول أرسطو، بإمکانها توفیر وضمان الرفاهیة للناس بإکمل وجە”.
إذاً فالقیام بالعمل السیاسي وتکوین الدولة والحکومة، هو لتدبیر الأمور المعیشیة للمواطنین والقیام بأشباعهم والعمل على رفاهیتهم، ولیس تجویعهم أو ترکهم وإبقائهم في دوامة من القلق والتردد والغم والهم.
لذلك فعندما تعجز سلطات هذا الإقلیم عن القیام بهذا، فهي تقول لنا بشکل غیر مباشر: أن ما یشغلهم لیس القیام بأمور الدولة ولا القیام بإدارة حکومتها، بل هو نوع من الأخذ بالقوة وتملکها، أي أصبحت القوة أو السیطرة هي الهدف الأسمى في إنشغالهم بکل ما تم ذکرە.
وإن جاك ماریتاین (Jaques Maritain)، الذي هو أحد فلاسفة الفلسفة السیاسیة في عصر التنویر، یقوم بقراءة تأریخیة وبالعثور على إختلاف نادر ومهم للغایة بین هذین المصطلحین السیاسیین، وهما القوة (power) والسلطة (authority)، فهو یقول: أن تأریخ ظهور القوة یقع في عصر الحالة الطبیعة (یقع في زمن السلطة الطبیعة)، أي قبل ظهور السلطة، وأن تکوین هذا النوع والحکومة، لا یرى النور الاّ في العصر الحدیث.
تعود (القوة) إلى العصور التي یجتمع فیها الناس بدوافع القبلیة، أو القومیة، أو الدین، أو اللون والعرق، وکانوا یقومون بإضطهاد معظم الناس، وأخذ الضرائب منهم عنوة وفرضها علیهم، بل وأخذ ونهم وسرقة أموالهم باسم الغنائم وترکهم فقراء لایملکون لقمة العیش.
أي أن فلسفة القوة (power) کانت منذ البدایة هماً بغیة إضطهاد الأخرین وإنتهاك حقوقهم. لذلك فإن إخراج أي شيء تحت ید وتحت هذە القوة إعادتها إلى صاحبها، في منطق وفهم قوة التسلط کهذە، یعبّر عن ضعف وتحقیر وإذلال مجدها.
إذاً، فمن خلال التصور المذکور أعلاە لدى کل من أرسطوطالیس وجاك ماریتاین، ندرك أن هویة أصحاب القرار في هذا الإقلیم هي (القوة)، ولم تصل مستوى عقلیتهم إلى هذا العصر بعدُ، وهم أناس لم یدرکوا معنى السلطة والحکومة إدارة الدولة، لذلك فهم یعتبرون الرواتب ملکاً لهم، ویعتبرون إخراجها من تحت أیدیهم، إشارة إلى التقلیل من هیمنتهم، ومن قوّتهم المتسلطة منذ سنین، وتحقیراً لمجدهم وشخصیتهم السیاسیة.
وبالنسبة لمفهوم السلطة (authority) ومفهوم الحکومة، بمعناها الحدیث، کما یشیر إلیها چاك ماریتاین؛ تبدأ من ذلك التاریخ، أي بعض ظهور (القوة)، وبعد قهرهم وإضطهادهم، فیجتمع عندها الأُناس المحرومین والمضطهدین، ویتوافقون جمیعهم إن یضّحوا بقدر من حریاتهم وقوتهم من أجل إقامة مؤسسة، تتمکن من توفیر العیش وضمانە للمجتمع، وتعمل على إنقاذهم وتحریرهم.
إذاً فالقوة (power)، هي من صنع وثمرة قلة متسلطة، ولاتنتمي إلى هذا العصر، وما عمل على إبقاءها هو إذلال الناس وتعدیبهم، ولکن السلطة (authority)، والحکومة الحقیقیة، على العکس من هذا، هي منفذ للتخلّص من جور تلك القوة، ویجري تأسیسها من عند جمیع المواطنین، وتبدأ من إعادة الحقوق للمواطنین ومنحها لهم.
من هنا یعرف أصحاب (القوة) جیداً، بأن إستلاب هذە القوة منهم، یقرّبهم من ساعة موتهم شیئاً فشیئاً، ومن الإنتهاء المأساوي، وبالمقابل فإن وجود أیة خطوة نحو القیام بإقامة (السلطة) ونحو الوصول إلى عصڕ جدید، یقرّبە من إیجاد سلطة أمور المواطنین وتعمل على خدمتهم.
وهذا هو سر خوف مسؤولیي حکومة إقلیم کوردستان من إخراج الرواتب من أیدیهم وتحت سلطتهم والإنتهاء بالعصر الذي یعیشون فیە.

ت / ل . هـ