واع / “اليمين المتطرف” في أوروبا .. تداعيات صعوده للمشهد السياسي/ تقرير

واع / بغداد / ليث هادي أمانة

شهدت الانتخابات الأوروبية صعود تيار اليمين المتطرف في عدد من الدول، محدثة زلزالا سياسيا في فرنسا إذ حقق اليمين المتطرف تقدما جليا، مع تصدر التجمع الوطني نتائج الانتخابات الأوروبية في فرنسا بقيادة مارين لوبان. وحزب الحرية في النمسا، فيما حل “البديل من أجل ألمانيا” في المرتبة الثانية متقدما على الاشتراكيين الديموقراطيين بزعامة المستشار أولاف شولتس. وحزب الاستقلال الفلمنكي في بروكسل مع تنامي صعود الاحزاب اليمينة في بريطانيا.

فرنسا- حزب لوبان يتصدر استطلاعات الرأي

أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد إيبسوس أن اليمين المتطرف وحلفاءه اليمينيين يتصدرون نوايا التصويت في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية في فرنسا (35,5%)، يليهم تكتل الجبهة الشعبية اليساري الجديد (29,5%)، بفارق كبير عن معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون (19,5%).

واشار الاستطلاع إلى زيادة حادة في نسبة الراغبين في المشاركة مقارنة بعام 2022، عندما بلغت 47,5%، إذ اعرب من 60 إلى 64% من الفرنسيين عن رغبتهم بالتصويت.

وفيما أعلن الرئيس الفرنسي حلّ الجمعية الوطنية وتنظيم انتخابات تشريعية جديدة، وقال في كلمة متلفزة “سأوقع مرسوم إجراء الانتخابات التشريعية للدورة الأولى في 30 حزيران الجاري، والدورة الثانية في 7 تموز” .

ويتنافس في الانتخابات زعيم التجمع الوطني (يمين متطرّف) جوردان بارديلا الأكثر تقدما بحسب استطلاعات الرأي، وزعيم حزب فرنسا الأبية (يسار متطرف) جان-لوك ميلانشون، ورئيس الوزراء الحالي غابرييل أتال ممثلا عن المعسكر الرئاسي. 

وبينما يشعر المعسكر الرئاسي بقلق من عداء الرأي العام للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حاول رئيس الوزراء الخميس استعادة الإمساك بزمام الأمور من خلال التوجه إلى غرب البلاد وحض الفرنسيين على منح “الغالبية المطلقة” لمعسكره.

من جهتها، دفعت الجبهة الشعبية الجديدة التي تضم مجموعات يسارية من الاشتراكيين إلى الشيوعيين، بنهج مختلف تماما، مع الدعوة إلى زيادة الحد الأدنى للأجور وإعادة فرض ضريبة على الثروات ألغاها ماكرون في بداية ولايته الأولى. وتحدث عن هذه الجبهة إريك كوكريل من حزب فرنسا الأبية وبوريس فالو من الحزب الاشتراكي، ودافعا عن برنامج تعتبره الحكومة مكلفا.

واقترح رئيس كتلة النواب الاشتراكيين بوريس فالو في كلمة له امام ممثلو الأحزاب الرئيسية المشاركة في الانتخابات التشريعية في فرنسا “ميثاقا إنتاجيا جديدا” يوحد العمال وقادة الصناعات والمستهلكين. ودعا أصحاب المليارات إلى “بذل جهد من أجل الوطنية الاقتصادية”. وبعد تعرضه لانتقادات بسبب خلافات داخلية حول كلفة البرنامج، وعد كوكريل بتقديم “أمر متجانس” بحلول نهاية الأسبوع.

من جهته، تحدث زعيم التجمع الوطني بارديلا، عن “الميزانية غير المنطقية” للحكومة و”خطر التدهور الاقتصادي” في حال بقاء الوضع الراهن بعد الانتخابات. وتعهد الإلغاء “الكامل” لضريبة على الإنتاج تؤثر في الشركات – وهو إجراء تدافع عنه الغالبية أيضًا. ويتعهّد حزبه خصوصا خفض مساهمة فرنسا في ميزانية الاتحاد الأوروبي بملياري يورو، فيما يعتقد معارضوه أن هذا الإجراء سيؤدي في نهاية المطاف إلى “خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي”.

ويثير احتمال وصول التجمع الوطني (يمين متطرف) أو الائتلاف اليساري للجبهة الشعبية الجديدة إلى السلطة، قلق أوساط الأعمال من تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، فيما أداء المالية الفرنسية متعثر أصلاً.

حزب الحرية اليميني المتطرف يتصدر النتائج في النمسا

حصد حزب الحرية “إف بي أو” اليميني المتطرف في النمسا بزعامة هربرت كيكل 25,7% من الأصوات في الانتخابات الأوروبية ، وفق نتائج شبه نهائية نشرتها وسائل الإعلام، في أول انتصار له في تصويت وطني. وكان الحزب قد فاز بثلاثة مقاعد فقط في البرلمان الأوروبي في انتخابات عام 2019، وهو رقم يُتوقع أن يتضاعف في البرلمان الجديد.

وقال كيكل أمام مناصريه في فيينا “لقد كتب الناخبون صفحة من التاريخ”، متحدثا عن “رغبة في بدء حقبة سياسية جديدة في النمسا وأوروبا”.

عند وصوله إلى رئاسة الحزب عام 2021، تمكن كيكل من استمالة الناخبين خصوصا من خلال خطابه “المعارض للّقاحات” خلال جائحة كوفيد-19، في بلد شهد اتخاذ إجراءات صحية صارمة بلغت حد منع الأشخاص الذين لم يتلقّوا تطعيمات من الخروج من منازلهم. وبشأن الحرب في أوكرانيا، يدافع السياسي البالغ 55 عاما عن “حياد” النمسا، منتقدا الدعم المقدّم لأوكرانيا والعقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو. بعد هذا النجاح في الانتخابات الأوروبية، يأمل حزب الحرية بالفوز في الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في نهاية أيلول، من دون وجود ما يضمن له العثور على شركاء كي يتمكن من الحُكم.

اليمين المتطرف في ألمانيا .. تحديات غير مسبوقة

تواجه ألمانيا صعوبات في وقف صعود أحزاب وجماعات اليمين المتطرف، التي تعتبرها السلطات أكبر تهديد يواجه الديمقراطية في البلد الأوروبي. ويتجه اليمين المتطرف إلى الصعود في ألمانيا ومن خلال الحزب الوطني الديمقراطي (NPD)، وحزب “الجمهوريون”، وحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) بزعامة المستشار أولاف شولتس ، وكذلك حزب الإمبراطورية الاجتماعية (SRP)، الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، ويعتبر نفسه وريثا لحزب العمال القومي الاشتراكي الألماني (NSDAP) الذي أسسه هتلر، وحُظر عام 1952 ، بشكل خاص خلال التحديات الاقتصادية أو عند فقدان المجتمع ثقته تجاه الدولة.

وزارة الداخلية حظرت أكثر من 50 تنظيما يمينيا متطرفا، بينها “كومبات 18″ و”نوردادلر” و”هامرسكينز”؛ بدعوى أن العديد من التنظيمات اليمينية المتطرفة تنشط ضد النظام الديمقراطي في ألمانيا.

ورغم تصريح وزيرة الداخلية نانسي فيزر بأن “التطرف اليميني هو أكبر تهديد للديمقراطية” واتخاذ الحكومة التدابير اللازمة ضده، إلا أن العديد من التنظيمات اليمينية المتطرفة تواصل أنشطتها كجمعيات وأحزاب.

يشار الى ان حزب “البديل من أجل ألمانيا” (Alternative für Deutschland AfD) نجح بمكاسبه الانتخابية هذه بعداً جديداً لصعوده السياسي بعد وصوله إلى البرلمان الاتحادي (البوندستاغ) وإلى بعض برلمانات الولايات ومع حضوره الاحتجاجي الواسع فيما يخص ملفات الهجرة واللجوء وسياسات الاتحاد الأوروبي. الأمر الذي سيكون له مجموعة من التداعيات المثيرة للقلق على صعيد المشهد السياسي والاجتماعي داخل ألمانيا، كما يشكل صعود تيار اليمين المتطرف تهديداً للنظام السياسي الديمقراطي في ألمانيا، نظراً لميول اليمين إلى التمترس نحو الدولة القومية، وتشديد الإجراءات ضد الأجانب والتوجه نحو الانغلاق مع العالم والحد من فرص تفعيل دور المؤسسات الديمقراطية وتطبيق قوانين الحريات.

البلجيكيون يناهضون اليمين المتطرف

أفضت الانتخابات التشريعية ببلجيكا التي جرت في التاسع من الشهر الجاري إلى فوز اليمين ويمين الوسط.

وشارك آلاف الأشخاص، في بروكسل بـ “مسيرة اجتماعية ومناهضة للفاشية” ضد صعود اليمين المتطرف في أوروبا. وخلال هذه التظاهرة، خربت واجهة مبنى يضم مقار حزب الاستقلال الفلمنكي “فلامس بيلانغ” المنتمي لليمين المتطرف. كتبت شعارات مناهضة للحزب عند مدخل المبنى وألقيت قنابل دخانية على الواجهة وحاويات نفايات.

في إقليم “فلاندرز” البلجيكي، حقق حزب “فلامس بيلانغ” مكاسب دون أن ينجح في إطاحة المحافظين في التحالف الفلمنكي الجديد الذي يهيمن على المشهد السياسي في هذه المنطقة الناطقة بالهولندية منذ عشر سنوات.

اليمين المتطرف في بريطانيا ـ تهديدات متزايدة

تواجه بريطانيا، تهديدات متزايدة مصدرها اليمين المتطرف، وتغذيها انتشار خطاب الكراهية، الأمر الذي يرغم السلطات على التحرك. فقد أحدث مقتل النائبة جو كوكس، وطعنها حتى الموت على يد متعصب للنازيين الجدد قبل ست سنوات في 16 حزيران 2016؛ صدمة في بريطانيا وأدى إلى لحظة “فاصلة” في الطريقة التي تتعامل بها المملكة المتحدة مع التطرف اليميني.

ومن أبرز الأحزاب والحركات اليمينية المتطرفة في بريطانيا: “حزب الاستقلال البريطاني” بزعامة آن ماري ووترز، حركة “بريطانيا أولاً”، جماعة العمل الوطني، جماعة “ناشونال آكشن”، البديل الوطني .

وارتفعت مؤشرات التهديد من تيار اليمين المتطرف وبدئت السلطات البريطانية تأخذ تهديدات اليمين المتطرف مأخذ الجد، وتتخذ إجراءات قانونية بحق خطابات الكراهية والعنصرية.

حزب فراتيلي ديتاليا

نصدر حزب “إخوة إيطاليا” (فراتيلي ديتاليا) اليميني المتطرف، الذي تتزعمه رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني نتائج الانتخابات الأوروبية بحصوله على ما لا يقل من 27% من الأصوات، وفق استطلاعات نشرت بعد إغلاق صناديق الاقتراع. وحل الحزب الديمقراطي (يسار وسط)، حزب المعارضة الرئيسي، في المرتبة الثانية بحصوله على أكثر من 23% تليه حركة “5 نجوم” الشعبوية بقيادة رئيس الوزراء السابق جوزيبي كونتي بنسبة تناهز 11% .

وحصل شريكا ميلوني في الائتلاف الحكومي، حزب “الرابطة” المناهض للمهاجرين بزعامة ماتيو سالفيني، وحزب “فورتسا” إيطاليا المحافظ الذي أسسه سيلفيو برلسكوني، على ما بين 8 و10% من الأصوات.

ومنذ وصولها إلى رئاسة الوزراء في تشرين الاول 2022، تمكنت ميلوني من الحفاظ على إجماع بشأن شخصها، خصوصاً بفضل الانقسامات بين معارضيها.

التداعيات

  1. اليسار الفرنسي يدعو الى الاعتراف الفوري بدولة فلسطين كدولة مستقلة وحظر الأسلحة للكيان الصهيوني ، والسير على خطى إسبانيا وأيرلندا والنرويج وسلوفينيا.
  2. اكد مراقبون ان الدفاع عن القضية الفلسطينية ومكافحة النظام الفاشي والعنصري يعني محاربة تطبيق النظريات والأفكار اليمينية المتطرفة بشكل أساسي، لأن الدفاع عن فلسطين هو قضية تتركز على مناهضة العنصرية وإنهاء الاستعمار واحترام القانون الدولي”.
  3. ان اعتراف إسبانيا وأيرلندا إلى جانب النرويج (خارج الاتحاد الأوروبي) بدولة فلسطين وانضمام سلوفينيا إليها ، سلط الضوء على انقسامات عميقة داخل الاتحاد الأوروبي بشأن القضية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى.
  4. بروز الاحزاب اليسارية في أوروبا ضد اليمين الداعم للكيان الصهيوني ، ففي إسبانيا فقد أصبحت القضية الفلسطينية محور النقاش السياسي وأدى اعتراف الحكومة بفلسطين كدولة إلى تعزيز الدعم لحزب سومار اليساري المتطرف والحزب الاشتراكي والائتلاف الحاكم.
  5. تصل خطورة اليمين المتطرف إلى مستقبل التكتل الأوروبي “تفكيك الاتحاد الأوروبي، نظراً للتشكيك في دوره والترويج إلى أنه مهدد لقومية الشعوب الأوروبية.
  6. يساهم اليمين المتطرف في تنامي معاداة السامية وكراهية اليهود في ألمانيا. تشير الإحصائيات الرسمية في ألمانيا في 11 ايار 2023 أن غالبية الجرائم المرتبطة بمعاداة السامية بنسبة (84%) نسبت إلى جماعات اليمين المتطرف.
  7. ان صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في المشهد السياسي الأوروبي – داخل الحكومات أو المعارضة – يؤدي إلى خلق تحديات كبيرة للديمقراطيات في أوروبا. 
  8. يبدو أنه كلما طال أمد الحرب الروسية الأوكرانية، زاد التطرف الذي من المرجح أن تشهده دول اوروبية مثل ألمانيا .
  9.  وعلى نطاق أوسع، فإن صعود اليمين المتطرف في أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بمثابة علامة تحذير حول كيف يمكن للإصلاح المتوقف لقواعد الهجرة والمشاكل الاقتصادية ومعدلات التضخم المرتفعة – فضلاً عن التنفيذ المكلف للسياسات الخضراء في الاتحاد الأوروبي – أن يعزز الأحزاب الشعبوية والمناهضة للمؤسسة.
  10. – اجمع المراقبون على ان صعود اليمين المتطرف له أسباب مختلفة، منها ما هو داخلي ومنها ما هو مرتبط بالضغوط الخارجية التي تفعلها الأزمات الدولية، في الأسباب الداخلية، هناك منشأ اقتصادي لشعور جزء كبير من الأوروبيين بالقلق والمنافسة، مع إدراك للضعف الاستراتيجي الذي تعاني منه القارة الأوروبية ومعدلات تضخم مرتفعة، ومعاناة اقتصادية بعد جائحة كوفيد-19 وفي ظل منافسة عالمية محمومة. ومن ناحية أخرى هناك قلق على الهوية جراء تدفق اللاجئين، والتغيرات الديموغرافية التي يحدثونها في البلدان الأوروبية، كما ان هناك بين الناحيتين تناقضا واضحا، إذ تحتاج الدول الأوروبية المهاجرين كقوة عمل، وتعاني في استيعابهم ثقافيا وسياسيا.