واع / رؤية اعلامية في “ثقافة الإلغاء”/ اراء حرة / سراب الشريف

لا يمكن للخطاب الإعلامي المعاصر أن يتجاهل واحدة من أكثر الظواهر تأثيراً في بيئة التواصل الحديثة: الا وهي ثقافة الإلغاء. حين تتصفح هذا الكتاب الذي وقّعه الدكتور منتصر صباح الحسناوي، تشعر انك أمام تحليل موسّع ودقيق يضع الظاهرة تحت المجهر، ويعيد تعريفها ضمن سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية معاصرة، مما يجعل منه مرجعاً إعلامياً لا غنى عنه في غرفة الأخبار، وغرف التحرير، وكل منصة رقمية تعيد تشكيل الرأي العام اليوم.

الأهمية الإعلامية للكتاب تنبع من ثلاث زوايا رئيسية:

أولاً: التحليل الشمولي للظاهرة: ينطلق الكتاب من أصل الظاهرة في الثقافات الغربية، لكنه لا يكتفي بذلك، بل يعيد موضعتها في البيئة العربية والعراقية على وجه الخصوص، حيث تشير فصوله إلى أن كثيراً من حالات “الإلغاء” تتم خارج نطاق المؤسسات، لتتحول إلى أحكام شعبية رقمية لا تخضع لمنطق الإنصاف أو التصحيح. وهذا يضعنا نحن كإعلاميين أمام سؤال محوري: هل نعيد نشر هذا الحكم أم نُعيد التفكير فيه؟

ثانياً: تأثير الإعلام في تغذية الإلغاء: يستعرض الكتاب أبرز آليات هذه الثقافة، بدءاً من التجييش العاطفي، وصولاً إلى التشهير العلني، وتوليد الاستياء الجمعي، وهي أدوات يعرف الإعلام المعاصر جيداً كيف يستخدمها — وأحياناً، كيف يقع فريستها. وهذا يجعل الكتاب بمثابة تحذير مهني لكل من يعمل في الإعلام: لا تكن جزءاً من العقل الجمعي الغاضب قبل أن تتحقّق.

ثالثا: الذكاء الاصطناعي وصعود المؤثرين الافتراضيين: هذه الفصول تشكّل في رأيي زوايا جديدة يجب أن تُدرّس في أقسام الإعلام بالجامعات. فما يُسمّى بـ”المؤثرين الافتراضيين” لم يعدوا مجرد نماذج رقمية، بل أدوات يمكن توجيهها لإلغاء أشخاص حقيقيين، وتضخيم روايات معينة، والتأثير على المزاج العام. وهنا تبرز أهمية الوعي الإعلامي النقدي الذي يدعو إليه الكتاب.

ومن أبرز المفاهيم التي يطرحها الكتاب والتي أجدها ضرورية للبيئة الإعلامية اليوم:
• أن ثقافة الإلغاء ليست حتماً فعلاً أخلاقياً ولا ممارسة عادلة، بل قد تكون أداة لفرض الصمت أو تسوية الحسابات أو اختزال التاريخ الشخصي في لحظة زلّة.
• أن وسائل التواصل مهما منحت الناس سلطة التعبير، فإنها تحتاج إلى مساءلة مزدوجة: من صانع المحتوى، ومن جمهور المتابعين.
• أن الانخراط الإعلامي في ظاهرة الإلغاء يجب أن يُخضع للمراجعة المهنية، لا للضغط اللحظي ولا للهاشتاك العابر.

في ظل هذا يمكنني القول إن جزء كبير من كتاب “ثقافة الإلغاء” هو بمثابة خطاب موجه للاعلام يدعوهم لإعادة التفكير في أدواتهم اليومية، وفي مسؤوليتهم الأخلاقية والمجتمعية.
ولا سيما عندما يتحول الإعلام من ناقل للحقيقة إلى شريك في التصعيد بما يُقال وأيضاً ما يُسكت عنه.
لذا يمثل هذا الكتاب بوصلة أخلاقية وإعلامية في آنٍ واحد.