واع / وفيك انطوى العالم الأكبر/ اراء حرة / بقلم: عتاب بغدادي
حين يركض الإنسان وراء رضا العالم وينسى ذاته”
“وتحسب أنك جرمٌ صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر”…
كلمات تسكن جوف المعنى، تُوقظ في الإنسان تساؤلًا عتيقًا: لماذا نركض طوال أعمارنا لننال قبولًا من عالم لا يعرفنا؟ لماذا نُهدر أعمارنا لنكون صورةً تعجب المجتمع، فنسحق في الطريق وجوهنا الحقيقية، ونخنق نداء أرواحنا؟
الإنسان، مذ وُلد، أُغرق في معايير جاهزة:
كن كما يريدون، لا كما أنت.
تكلّم كما يُرضيهم، لا كما يعبّر قلبك.
اعمل، انجح، تزوّج، أنجب، اصمت.
أوامر تتسلل إلى عقله منذ نعومة وعيه، حتى يصير عبدًا لفكرة “القبول”، بدل أن يكون سيّدًا لحقيقته.
يركض…
يركض ليحظى بإعجاب من حوله.
يركض ليقال عنه: ناجح، جميل، محبوب، صالح.
يركض حتى لا يُقال عنه: فاشل، غريب، ناقص، مجنون.
ويموت.
يموت تعيسًا، مثقلًا بديون نفسية لم يسدّدها لنفسه.
يموت وقد نال رضاهم جميعًا، إلا روحه التي جفّ حلقها من العطش وهو يروي الآخرين.
في دراسة أجريت داخل ردهات العناية الفائقة حول العالم، سُئل المرضى الذين اقتربوا من لحظة الموت:
“ما أكثر شيء ندمتم عليه؟”
فجاءت الإجابات متشابهة بشكل صادم:
“ندمنا لأننا لم نعش كما أردنا، بل كما أراد الآخرون.”
“ندمنا على الوقت الذي أضعناه نحاول أن نكون نسخة ترضي المجتمع، بدلًا من أن نستمتع بالحياة التي وهبنا الله إياها.”
لقد اعترفوا، بعد فوات الأوان، أن الركض خلف رضا الناس لم يمنحهم السلام، بل سرق منهم أعوامًا لن تعود.
يا لغرابة الإنسان…
يحمل في داخله كونًا من الإبداع، والدهشة، والفرح، لكنه يُغلق عليه الأبواب خوفًا من أن يُقال عنه: “مختلف”.
فمتى يتوقف هذا الركض؟
متى نلتفت إلى أنفسنا ككائنات تستحق الحياة لا التقييم؟
متى نصغي إلى الصوت الداخلي ونكفّ عن ارتداء الأقنعة الثقيلة التي تليق بالجميع إلا بنا؟
افتح عينيك…
افتح قلبك…
واهمس لنفسك:
“أنا لست نسخةً لأحد، أنا العالم الأكبر.”


