واع / بين حقيبة هرمز ولقمة العيش/ آراء حرة/ بقلم : عتاب بغدادي
في هذا الزمن الغريب، أفتح هاتفي فأرى سيلًا من المقاطع اللامعة — “ريلز” تفيض تباهيًا وادعاءً — نجماتٌ ومؤثراتٌ يصورن حقائب “هرمز” وكأنها وسام حياة، أو انتصارٌ يستحق التصفيق. بينما على الطرف الآخر، هناك أمٌّ تخرج مع الفجر، تترك أطفالها خلف الباب لتلحق بعملها قبل أن تفوتها الحافلة. رجلٌ يركض كل يوم فقط ليؤمّن إيجار البيت وأقساط المدرسة، وأكبر ترفٍ في حياته أن يعود آخر النهار ليستلقي على أريكةٍ بالية ويغفو دقائق من تعبٍ لا ينتهي.
أي جمهورٍ تخاطبون؟
هل تدركن أن وراء كل لقطةٍ من حقائبكن الملوّنة هناك آلاف العيون تنظر من وراء العجز، وأفواهٌ تتمنى وجبةً واحدة بلا قلق؟ ليس فقط في غزة الجائعة تحت الحصار، بل في كل بلدٍ أنهكته المعيشة وغلاء الأسعار، حيث الجوع لا يحتاج حربًا كي ينهش البشر.
ولم يقف الاستعراض عند الكبار.
فحتى الأطفال صاروا ضحايا هذا التناقض؛ فبينما يشاهد الطفل على “الريلز” صناديق الطعام الملوّنة — اللنش بوكسات المليئة بالفواكه المقطّعة بعناية، والسندويشات المزخرفة، والحلويات المصفوفة كلوحة فنية — يعود هو إلى مدرسته حاملاً قطعة خبز أو تفاحة باهتة. يرى المقاطع فيحقد على والديه دون أن يدرك أن المشكلة ليست فيهم، بل في عالمٍ يزرع المقارنات بدل القيم، ويغرس النقص بدل الامتنان.
أي تأثير هذا الذي يجعل الطفل يشعر بالعار من بساطته، والأمّ بالخجل من فقرها؟
لقد تحوّل الإعلام الاجتماعي من مساحة تواصل إلى مسرحٍ للغرور الجماعي، يُربّي جيلًا يقيّم ذاته بما يملك لا بما هو عليه.
في زمنٍ تذوب فيه الكرامة بين فاتورة كهرباء ومصاريف مدرسة، يصبح التباهي خيانة صامتة، والسكوت أمام هذا التناقض جريمة إعلامية.
الإعلام ليس شاشةً لعرض الماركات، ولا صندوق غداءٍ للتفاخر،
بل مرآة لوجع الناس، وصوتٌ لمن لا صوت لهم.
ولن يكتب التاريخ أسماء من حملن حقائب “هرمز”،
بل من حملن همّ الإنسان.


