واع / الكعبة المشرفة والمسجد الاقصى .. رحلة الاسراء والمعراج لرسول الله (صلى الله عليه وسلم )


واع / بغداد / خالــد النجـــار
تشعر بالهيبة والخشوع والرهبة حين تكتب موضوعا دينيا يرتبط بسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يتعلق بالاسراء والمعراج تلك الرحلة المعجزة للرسول محمد ﷺ، بدأها الله ليلاً من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى (الإسراء)، ثم عرج به جبريل إلى السماوات العلا (المعراج) ليريه من آيات ربه ويكرمه بفرض الصلاة على أمته، وهي معجزة تثبت صدق نبوته وتؤكد عظمة الخالق وتُظهر قوة الإيمان وقدرة الله التي تتجاوز حدود العقل والزمان والمكان، وتُعد من أعظم نعم الله عليه لتثبيت فؤاده ، ولقد شرف الله عزوجل المساجد وعظمها، وأعلى شأنها ورفع قدرها، واختار من بينها المساجد الثلاثة المشهورة المعروفة، (المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد النبي ، صلى الله عليه وسلم) ويكفيها قدراً وفخراً وشرفاً أن الله اختارها من بين المساجد كلها، وما ذلك إلا لعظمة شأنها وعلو منزلتها.
اذن فان المسجد الحرام هو أول مسجد وضع في الأرض، وهو قبلة المسلمين إلى قيام الساعة، وأحد المساجد التي يشد إليها الرحال، والبقعة التي حرم الله فيها القتال، ومنه انطلقت رحلة الإسراء والمعراج، يقول الله جل وعلاه : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) ، وبالنسبة الى المسجد الأقصى فإنه ثاني مسجد وضع في الأرض، وقبلة المسلمين الأولى، صلى إليه المسلمون (ستة عشر شهرا) وأحد المساجد التي يشد إليها الرحال، وإليه انطلقت رحلة الإسراء من المسجد الحرام، وقد وصف الله أرض بيت المقدس بصفات البركة والطهر والقدسية، كما قال ( تبارك وتعالى) حاكياً عن موسى (عليه السلام ) :(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) سورة المائدة21 ، فوصفها بالقداسة والطهارة، وقال عز وجل: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) سورة الأعراف:137فوصفها أيضاً بالبركة، وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه) الإسراء:1.
كما يعرف عند العلماء بأن (الإسراء ) هي الرحلة من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، أما (المعراج ) فهو الصعود إلى السماوات السبع وما فوقها.. وقد جاء حديث القرآن الكريم عن الإسراء في سورة الإسراء، وعن المعراج في سورة النجم، قال تعالى );سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ..
وبهذه المناسبة العظيمة لابد ان نشيرالى ان التاريخ منذ أزله إلى اليوم يتحدث عن رحلة أكثر عظمة وإبهارا وإعجازا وقداسة وهي (رحلة الإسراء والمعراج) التي كسرت حدود المكان وآفاق الزمان، وقواعد المنطق المتداول لدى عموم البشر، منذ الأزل إلى اليوم ، حيث كان لهذه الرحلة عالمها الخاص، وأفقها الممتد في فضاء قدرة الله جل وجلاله، كانت أول لقاء في بحبوحة السماء بين أهل الأرض والملأ الأعلى ، وإنها المعجزة الخالدة التي استقرت في أعماق الوجدان الإسلامي، ملهمة للإبداع الإنساني في تخيل رحلة وأحداث ولقاء لا يحيط به عقل بشري ولا يتصوره خيال شاعري مجنح.
الاسراء والمعراج.. جلال سماوي يمحو آلام عام الحزن..
ولم يكن العام العاشر من البعثة النبوية (620 م) عاما عابرا في مسيرة المصطفى ﷺ، بل كان من أحلك السنين المكّيات التي عاشها الرسول الأعظم ﷺ وهو يدعو المشركين إلى توحيد الله جل جلاله، وإلى تعظيم مكة وتنزيه البيت الحرام والكعبة المشرفة عن أن تكون مستندا لمئات الأصنام الحجرية التي لا تنفع ولا تضر، كانت دعوة التوحيد جزءا من منظومة قيم شاملة، وكانت أم القرى وما حولها في أمسّ الحاجة إليه.
ثم جاء العام العاشر ليصبّ حزنا جديدا على النفس النبوية المطمئنة التي يهذبها الوحي، حين توفي عمه أبو طالب الذي كان أهم سند اجتماعي للنبي الكريم ﷺ، وذلك بعد فترة وجيزة من وفاة زوجه الكريمة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، التي تقف صفحات الأيام والوفاء عاجزة عن إيفائها حقها من المجد الإيماني الخالد، فقد كانت أم أبناء النبي ﷺ التي واسته بنفسها ومالها، وتلقت تحيات الملأ الأعلى وبشارات السماء ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
من أجل ذلك وتطييبا لخاطر النبي ﷺ، وإعدادا لمستقبل الدعوة الخالدة، جاءت الدعوة إلى أعظم رحلة في تاريخ الكون، وكان كل شيء جاهزا ومرتبا بقدرة (كن فيكون)..حيث جاء جبريل عليه السلام والنبي ﷺ متوسّد في الحجر بالكعبة المشرفة، فأيقظه لتبدأ من تلك اللحظة مراسيم الرحلة المقدسة، فقد كانت دعوة من الملأ الأعلى، وكانت وسيلة النقل جاهزة، إنها الدابة العظيمة التي يركبها الأنبياء والأنبياء فقط، كان اسمها ( البراق)، ووصفها النبي ﷺ بدقة، فهي دابة فوق الحمار ودون البغل، خارقة السرعة، تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، ولا تسل أين ينتهي ذلك البصر الحديد، فأنت في عالم لا يقاس بحد معين ..
ووفق بعض الروايات فقد بدأت رحلة الإسراء مباشرة بعد أدائه صلاة العتمة في المسجد، وكانت الصلوات يومها ركعتين في الصباح وركعتين في الليل لا أكثر، وفق ما روى شداد بن أوس في حديث رواه البيهقي. وتدل عبارة الإسراء على أن هذه الرحلة التي يمكن أن تستغرق مليارات السنين (إن نظرنا إلى جزء منها بمقياس الناس اليوم)! كانت في جزء من الليل، حيث لا يكون السّرى إلا بعد أن يسدل الليل أستاره ، وكان أول أحداث الرحلة حيث أوقف جبريل دابة البراق، فاستصعبت عليه ﷺ، وفق ما يروي أنس بن مالك في سنن الترمذي “أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِالبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ. قَالَ: فَارْفَضّ عَرَقًا”. وفي رواية أخرى “وَأَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِدَابَّةٍ بَيْضَاءَ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، فَقَالَ: ارْكَبْ، فَاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فَدَارَهَا بِأُذُنِهَا، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهَا..
ولا غرابة في موقف هذه الدابة السماوية ذات المكانة السامية، منذ أن ذللها الله ركوبا للأنبياء، وربما كان آخر عهد لها بالأنبياء كان قبل قرابة ستة قرون فاصلة بين ميلاد عيسى عليه السلام ورحلة الإسراء العظيمة ، وكان للصلاة سرها العجيب في رحلة الإسراء والمعراج، بل كانت الكلمة المفتاحية الأكثر ترددا في أحاديث هذه المعجزة الخالدة ، ولان كانت الرحلة بدأت بعد صلاة العتمة في المسجد الحرام، فقد كانت محطة التوقف الأول صلاة في المدينة المنورة، وكانت الثانية صلاة أخرى في مَدْيَنَ عند شجرة (موسى عليه السلام) ثم سارت رحلة الموكب الخارق، لتكون محطة الصلاة الثالثة في ( بيت لحم) حيث ولد عيسى عليه السلام، أما الصلاة الرابعة فكانت عند الوصول إلى (بيت المقدس ) حيث صلى إماما بالأنبياء في مؤتمر الجلال والعظمة في بيت المقدس.
وعند الحائط الغربي أو( حائط البراق ) حيث ربط النبي الكريم براقه ليله أسري به من مكة المكرمة إلى بيت المقدس ، وقد روى الحديث النبوي الشريف طرفا من هذه الصلوات العظيمة، إذ قال ﷺ “فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا: يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، حَتَّى بَلَغْنَا أَرْضًا ذَاتَ نَخْلٍ فَأَنْزَلَنِي، فَقَالَ: صَلّ فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ قَالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ. فَانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا فَقَالَ: انْزِلْ. فَنَزَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسَى عليه السلام. ثُمَّ انْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنَا يَقَعُ حَافِرُهَا حَيْثُ أَدْرَكَ طَرْفُهَا، ثُمَّ بَلَغْنَا أَرْضًا بَدَتْ لَنَا قُصُورٌ، فَقَالَ: انْزِلْ. فَنَزَلْتُ، فَقَالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنَا، قَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ. قَالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ، حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى عليه السلام المسيح ابن مَرْيَمَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ مِنْ بَابِهَا الْيَمَانِيِّ فَأَتَى قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ فَرَبَطَ بِهِ دَابَّتَهُ”.