واع / محكمة العقل /آراء حرة/ بقلم: مشتاق كارلو
في رأسي محكمة لا تنام ولا تسهو وأنا فيها المتهم وأنا القاضي وأنا الشاهد وأنا المحامي أتهم نفسي تارة وأقاضيها تارة ثم أدافع عنها تارة أخرى أراجع وأؤجل وأدين وأبرئ نفسي بنفسي محكمة لا شهود فيها إلا ضميري ولا رابح فيها ولا خاسر إلا العراق…
كل يوم أدخل هذه المحكمة وأسأل سؤالا واحدا
من الذي سرق وطنا يطفو على بحر من الثروات وجعل أبناءه يقفون في طوابير الماء والكهرباء والبطالة والانتظار
من الذي أقنع العراقي أن الكهرباء أصبحت حلما في بلد يملك من الطاقة ما يكفي لينير المنطقة كلها
من الذي جعل الماء الذي خلقه الله للحياة لا يصلح حتى للاستحمام بعدما امتلأت الأنهار بالمياه الثقيلة والنفايات والمخلفات حتى اختنقت الأسماك قبل أن يختنق الناس
من الذي قتل الزراعة حتى أصبحت الأرض الخصبة تستجدي بذرة وأصبح العراق الذي كان يسمى أرض السواد يستورد الطماطم والحنطة والبصل والتمر وكل ما كانت أرضه تجود به
من الذي دفن الصناعة تحت ركام الشعارات حتى صرنا نسمع كل شهر عن افتتاح مصنع جديد ثم لا نرى في الأسواق سلعة عراقية واحدة تنافس المستورد ولا عاملا عاد إلى معمله ولا إنتاجا ينعش الاقتصاد
من الذي جعل البيئة سجنا مفتوحا
هواء ملوث
أنهار ميتة
أرض منهكة
مدن تختنق بالنفايات
حتى الطيور لو خيّرت بين السماء هنا والرحيل لاختارت الرحيل
من الذي أقنع أصحاب الشهادات والخبرات والكفاءات أن مكانهم ليس في مؤسسات الدولة بل في طوابير الهجرة أو خلف أبواب البطالة بينما يتصدر المشهد من لا يملك إلا الولاء والمصلحة
في هذه المحكمة لا أتهم العراق
العراق بريء
ولا أتهم الشعب
فالشعب دفع من عمره وصحته وأحلامه ما يكفي ليكون الضحية لا الجلاد
أنا أتهم الفساد
ذلك الذي لم يعد يسرق المال فقط بل سرق الوقت والعلم والكرامة والفرص والمستقبل
أتهم سياسة جعلت المواطن يعتاد على الانقطاع أكثر من الاستمرار وعلى الوعود أكثر من الإنجاز وعلى المؤتمرات أكثر من المشاريع
أتهم كل مسؤول ظن أن المنصب إرث وأن الدولة شركة خاصة وأن المال العام غنيمة توزع بين المقربين
وأقولها كما يمليها الضمير
بغداد لا تموت لأنها فقير بل تموت حين يصبح الفساد أقوى من القانون وحين يصبح الصمت أعلى صوتا من الحقيقة
سيأتي يوم تقف فيه كل الكراسي أمام محكمة التاريخ ولن يسألها أحد عن عدد المواكب ولا عن حجم الحمايات ولا عن الصور المعلقة على الجدران
سيسألها سؤالا واحدا
لماذا بقي العراق بكل هذا الغنى يبحث عن كهرباء وماء نظيف ودواء ومدرسة ومصنع ومزرعة وكرامه


