واع / من يختار رئيس وزراء العراق؟ إرادة الشعب أم فيتو البيت الأبيض؟/اراء حرة / كتب : جاسم الجيزاني

في كل محطة سياسية مفصلية يمرّ بها العراق، يعود سؤال السيادة إلى الواجهة من جديد، لا بوصفه شعارًا نظريًا، بل كقضية مصيرية تتعلق بحق الشعب في تقرير مستقبله واختيار من يمثله. ومع تصاعد الحديث عن رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة مجددًا، تتجدد علامات الاستفهام حول حجم التدخل الأميركي في الشأن العراقي، وحدود التأثير الخارجي على القرار الوطني.
منذ عام 2003، لم يكن التدخل الأميركي في العراق عسكريًا فقط، بل تمدد ليشمل السياسة والاقتصاد وحتى هندسة المشهد الانتخابي والتحالفات الداخلية. وفي كل مرة يقترب فيها العراقيون من استحقاق دستوري، تظهر مواقف وتصريحات أميركية توحي وكأن القرار النهائي لا يُحسم في بغداد، بل يُبارك أو يُرفض في واشنطن.
رفض ترامب لترشيح شخصية سياسية عراقية، بغضّ النظر عن الموقف منها، يطرح سؤالًا جوهريًا:هل يملك الشعب العراقي حق الاختيار الحر عبر صناديق الاقتراع، أم أن “الفيتو الأميركي” ما زال حاضرًا يحدد المقبول والمرفوض في معادلة الحكم؟إن الدستور العراقي واضح في آلياته، والعملية الديمقراطية – رغم كل ما شابها من إخفاقات – تمنح الكتل المنتخبة والشعب صاحب الصوت الأعلى حق اختيار رئيس الحكومة. وأي تدخل خارجي، مهما كانت مبرراته،يُعد مساسًا مباشرًا بالسيادة الوطنية وإفراغًا للديمقراطية من مضمونها الحقيقي.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذا النهج يعمّق فقدان الثقة بين المواطن والنظام السياسي، ويعزز القناعة بأن الانتخابات ليست سوى واجهة شكلية، بينما تُدار القرارات المصيرية خارج الحدود. وهذا ما يهدد الاستقرار السياسي ويغذي الإحباط الشعبي، في بلد دفع أثمانًا باهظة من دمائه وأمنه واقتصاده.ليس الدفاع عن شخص أو تيار سياسي هو جوهر القضية، بل الدفاع عن مبدأ: العراق للعراقيين، وقرار الحكم يجب أن يُصنع في بغداد لا في أي عاصمة أخرى. فالدول تُبنى بإرادة شعوبها، لا بإملاءات الخارج، مهما كان هذا الخارج قويًا أو مؤثرًا.اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج العراق إلى موقف وطني موحد يرفض الوصاية السياسية، ويؤكد أن الشعب وحده هو مصدر الشرعية، وأن صناديق الاقتراع، لا التصريحات الأميركية، هي التي تحدد من يحكم البلاد.