واع / قال تعالى : (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) موقف الاعلمية بين الاستدلال والانبهار :/ آراء حرة / عباس الفاضل
حين يستدعي بعض علماء المسلمين الآخر لإثبات الذات في فضاء الجدل الفكري المعاصر لم يعد مستغربًا أن نرى بعض المنتسبين إلى العلوم الإسلامية بل وحتى من يقدّمون أنفسهم بوصفهم أهل الأعلميةيستندون إلى أطروحات مفكرين غير مسلمين لتعضيد آرائهم أو تثبيت رؤاهم هذه الظاهرة وإن بدت في ظاهرها انفتاحًا معرفيًا محمودًا تثير في عمقها أسئلة جدّية عن طبيعة هذا الاستدعاء أهو استدلال علمي رصين أم نوع من الانبهار غير المنضبط؟
حين يُستحضر فكر في تحليل الظواهر الاقتصادية أو تُستدعى مقولات لتفسير البنية الاجتماعية أو يُعاد توظيف منهج في الحديث عن الأخلاق والعقل، فإن ذلك قد يكون خطوة طبيعية ضمن مسار التراكم المعرفي الإنساني غير أن الإشكالية لا تكمن في الاستفادة، بل في طريقة التوظيف
فالاستفادة العلمية الحقيقية تقتضي الفهم العميق، والمقارنة الدقيقة والوعي بالفروق المنهجية بين الرؤية الإسلامية والرؤى الوضعية. أما حين يتحول الاستشهاد إلى مجرد شاهد أجنبي يُستحضر لإضفاء مشروعية إضافية على فكرة إسلامية أصيلة فإننا نكون أمام خلل مزدوج: تقليل من ثراء التراث الإسلامي من جهة، ومنح الآخر سلطة مرجعية لم تُبنَ على أساس نقدي من جهة أخرى
ولعل المفارقة تزداد وضوحًا حين نعلم أن تراثنا زاخر بأسماء مؤسسة في مختلف العلوم. ففي علم الاجتماع مثلًا، يبرز بوصفه واضع اللبنات الأولى لفهم العمران البشري قبل قرون من ظهور المدارس الغربية. وفي الفلسفة ترك و إرثًا فكريًا عميقًا في قضايا العقل والوجود أما في الاقتصاد، فقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة قائمة على العدالة والتوازن، دون الحاجة إلى استيراد نظريات تُبنى على تصورات مادية بحتة
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في “الاقتباس بل في الانتقائية غير الواعية”. فبعض من يدّعي الأعلمية يميل إلى اقتطاع ما يوافق رأيه من تلك النظريات متجاهلًا السياق الفلسفي الذي نشأت فيه أو التناقضات التي قد تحملها مع الرؤية الإسلامية وهنا يتحول الاستدلال إلى أداة تزيين لا إلى وسيلة بحث
نحن اليوم بحاجة إلى إعادة ضبط البوصلة الفكرية لا برفض الآخر جملةً وتفصيلًا ولا بالذوبان فيه بل ببناء موقف نقدي متوازن موقف يعترف بأن المعرفة إنسانية مشتركة، لكنه في الوقت ذاته يعتز بأصوله ويقرأ غيره بعين الفاحص لا بعين المنبهر
في نهاية المطاف ليست قوة الفكرة في عدد من استشهد لها من الشرق أو الغرب، بل في تماسكها الداخلي وانسجامها مع منهجها وقدرتها على تفسير الواقع بصدق أما الأعلمية الحقيقية فهي التي تُقاس بعمق الفهم لا بكثرة الاقتباس .


