واع / لو عاد هولاكو اليوم لاعتذر من سراق العراق/آراء حرة / بقلم مشتاق كارلو
عندما دخل هولاكو بغداد دخلها بجيش يعرف الجميع أنه عدو. قتل ودمر وأحرق وانتهت حكايته في صفحات التاريخ. لكن العراق ابتلي اليوم بغزاة من نوع آخر. غزاة لا يأتون على ظهور الخيل بل في مواكب مصفحة. لا يحملون السيوف بل يحملون ملفات العقود. لا يحرقون المكتبات بالنار بل يحرقون مستقبل الأجيال بالفساد.
يروى أن هولاكو حين أسر الخليفة المستعصم طلب منه أن يدله على أمواله. فلما أخرج له كنوزا مخبأة قال له لو أنفقت هذا المال على جيشك لما سقطت بغداد. كانت رسالة قاسية تقول إن الدولة لا تسقط فقط بقوة العدو بل تسقط أيضا عندما يتحول المال العام إلى كنوز مخبأة.
اليوم تغيرت الأسماء ولم تتغير الخيانة. لم تعد الكنوز تحت برك الماء بل أصبحت في حسابات مصرفية وعقارات وقصور وشركات بأسماء مقربين وواجهات تجارية. المال الذي كان يفترض أن يبني المدارس والمستشفيات والجسور تحول إلى ثروات شخصية بينما بقي الشعب ينتظر أبسط حقوقه.
هولاكو احتاج إلى جيش ليهزم بغداد أما بعض السياسيين فلم يحتاجوا إلا إلى منصب وتوقيع ولجنة وصفقة. نهبوا الدولة باسم القانون وتقاسموا الثروة باسم التوافق وتقاسموا المناصب باسم المصلحة الوطنية حتى أصبح المواطن غريبا في وطنه.
أيهما أخطر على العراق هولاكو الذي أعلن الحرب علنا أم سياسي يقسم على حماية الدستور ثم يمد يده إلى خزينة الدولة. أيهما أشد قسوة الغازي الذي هدم الجدران أم المسؤول الذي هدم الثقة وقتل الأمل وسرق مستقبل ملايين العراقيين.
ليس كل سياسي فاسدا لكن كل فاسد يختبئ خلف السياسة. وليس كل مسؤول سارقا لكن كل سارق وجد في ضعف القانون فرصة ليحول الدولة إلى مزرعة خاصة.
لو عاد هولاكو اليوم ونظر إلى حجم الأموال التي سرقت من العراق وحجم المشاريع الوهمية وحجم الخراب الذي صنعه الفساد لقال إن ما عجز عنه جيشي أنجزه سراق المال العام. هؤلاء لم يكتفوا بإسقاط بغداد بل أسقطوا هيبة الدولة وأفقروا الشعب وقتلوا الحلم العراقي بصمت..


