واع / عاصفة فجر الاحد تقتلع شبكات الفساد في بغداد ويتهاوى النفوذ الزائف أمام سيادة القانون/ اراء حرة / غفران القيسي
لم تكن ساعات الفجر الأولى من يوم الأحد في العاصمة بغداد مجرد ليلة اعتيادية انقضت كسابقاتها، بل تحولت إلى منعطف تاريخي حاسم أعاد رسم المشهدين الأمني والسياسي في البلاد. فبينما كانت الشوارع غارقة في السكون، تحركت الأجهزة الأمنية بانتشار واسع ونطاق عسكري مكثف فرض إغلاقاً كاملاً لكافة مداخل ومخارج المنطقة الخضراء المحصنة، لتنطلق أضخم حملة ملاحقة وتطهير ضد شبكات الفساد المالي والإداري، أسفرت عن اعتقال عشرات المسؤولين من الصف الأول والشخصيات النافذة في الدولة.
وتأتي هذه الخطوة الجريئة والحاسمة بإشراف مباشر من رئيس الوزراء علي الزيدي، وجاءت كترجمة عملية وقرار صائب اتخذه تجاه بلده في أعقاب اجتماعه الأخير في العاصمة الأمريكية واشنطن؛ حيث بدا واضحاً أن العودة كانت محملة بإرادة حازمة لإنهاء حقبة “الحصانة” التي تمتع بها الفاسدون لسنوات طويلة. وما إن بدأت القوات المنفذة بفتح ملفات القضايا الدارجة والمداهمات، حتى تكشفت حقائق صادمة تمثلت في العثور على مبالغ مالية ضخمة مخبأة داخل منازل المسؤولين المعتقلين، فيما أدت التحقيقات الفورية والاعترافات الأولية المستحصلة إلى جرّ أسماء وشخصيات متنفذة أخرى إلى دائرة الاتهام، لتتدحرج كرة الثلج وتطال كل من تلطخت يداه بالمال العام.
إن تصحيح المسار من خلال الإطاحة بجميع رموز الفساد وتفكيك شبكاتهم الممتدة يمثل اليوم الحجر الأساس في عملية إعادة بناء بنيوية شاملة للدولة؛ إذ لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام دون تقويض الركائز التي اعتمدت عليها تلك الحيتان لسنوات. لذا، فإن هذه العملية لا تمثل مجرد إجراء قانوني أو قضائي عابر، بل هي مسار تصحيحي ممتاز يهدف إلى إعادة هيبة الدولة وسلطة القانون، وإعادة هندسة الكابينة السياسية عبر تدوير السلطة وكسر الاحتكار السياسي. إن إزاحة الرموز التقليدية التي استغلت مناصبها لبناء نفوذ شخصي وزائف على حساب مصلحة الوطن، تفتح الباب على مصراعيه لبروز جيل جديد من الكفاءات والنخب القادرة على إدارة المرحلة بكفاءة تتماشى مع تغير موازين القوى، وتحرير الاقتصاد الوطني من الهدر، ليرسل العراق من خلالها رسالة مدوية: أنه مهما بلغت قوة هؤلاء ونفوذهم، فإن مصالحهم الشخصية ستتهاوى وتتحطم تحت أقدام القانون، فعهد الإفلت من العقاب قد ولى، والعراق اليوم فوق الجميع.


