واع / حيدر الفزع… حين يصبح اختيار وزير الثقافة اختباراً للدولة / بقلم: كريم اللامي
ليست كل الوزارات متشابهة، وليست كل الحقائب مجرد مواقع إدارية تنتظر من يشغلها. هناك وزارات تمس حياة الناس بصورة مباشرة، وهناك وزارات تمس ذاكرتهم ووعيهم وهويتهم، ووزارة الثقافة واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حاجة إلى رجل يعرف قيمة الكلمة، ويفهم طبيعة المجتمع، ويؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً ولا واجهة احتفالية.
لهذا، فإن الحديث عن اختيار وزير الثقافة لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من هي الجهة التي ترشح؟ بل من سؤال أكثر أهمية: من هو الشخص القادر على إدارة هذا الملف بما يتناسب مع مكانة العراق الثقافية؟
ومن هذا المنطلق، يبرز اسم الدكتور حيدر حسون الفزع في الدعوات المتصاعدة داخل الأوساط الثقافية والإعلامية لتولي وزارة الثقافة. وقد ظهرت خلال الأيام الماضية مقالات وبيانات ومواقف مهنية تؤيد ترشيحه، ما يجعل الموضوع يتجاوز حدود الرغبة الشخصية إلى نقاش عام حول مواصفات الشخصية التي تستحق إدارة الثقافة العراقية.
لكن ما يلفت النظر في تجربة الفزع ليس مجرد وجود اسمه في هذا النقاش، وإنما طبيعة الخلفية التي يأتي منها. فهو يتحرك في مساحة تجمع الإعلام والإدارة والعمل الثقافي، وله تجربة مهنية وأكاديمية في المجال الإعلامي، فضلاً عن سنوات من الحضور في الوسط الثقافي والإعلامي.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الاختيار.
فالثقافة العراقية اليوم لا تحتاج إلى وزير يجلس خلف مكتبه وينتظر الملفات، بل إلى شخصية تستطيع أن تتحرك بين الفنان والأديب والصحفي والمصور والشاعر والأكاديمي، وتفهم احتياجاتهم، وتحوّل الوزارة من مؤسسة تؤدي واجباتها الروتينية إلى مؤسسة تمتلك مشروعاً واضحاً.
نحن لا نحتاج وزيراً جديداً يضيف اسماً إلى قائمة الوزراء، بل نحتاج إدارة جديدة للعقل الثقافي العراقي.
والفزع، وفق ما يطرحه مؤيدوه، يقدم نفسه في هذا السياق باعتباره شخصية جاءت من قلب الوسط المهني، لا من خارجه؛ وهذه نقطة تستحق أن توضع أمام صانع القرار بجدية، بعيداً عن المزايدات أو الحسابات التي لا علاقة لها بالكفاءة.
دولة الرئيس،
إن اختيار وزير الثقافة يمكن أن يكون رسالة بحد ذاته.
رسالة تقول إن الدولة عندما تختار المسؤول، فإنها تبحث أولاً عن صاحب الخبرة والقدرة، لا عن اسم تفرضه التوازنات. ورسالة تقول للمثقفين العراقيين إن صوتهم مسموع، وإن الوزارة التي يفترض أن تمثلهم لن تكون بعيدة عنهم.
لقد عانى الوسط الثقافي طويلاً من مشكلة الفجوة بين المؤسسات وأهل الثقافة. وربما آن الأوان لأن تكون هناك محاولة حقيقية لردم هذه الفجوة، عبر اختيار شخصية تستطيع أن تتحدث بلغة المؤسسة من دون أن تفقد لغة المثقف.
ومن هنا، فإن ترشيح حيدر الفزع لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره معركة على منصب، وإنما باعتباره اختباراً لمعيار الاختيار نفسه.
فإذا كانت الكفاءة هي المعيار، فليُدرس الملف.
وإذا كانت الخبرة هي المعيار، فليُدرس المسار.
وإذا كان المطلوب وزيراً قادراً على فهم الإعلام والثقافة وإدارة المؤسسة، فليُوضع الفزع أمام هذا الاختبار.
وبعد ذلك، ليكن القرار للدولة.
هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى رئيس مجلس الوزراء:
لا نطلب استثناءً لأحد، ولا نطلب منصباً بالمجاملة؛ نطلب فقط أن تُمنح الكفاءة فرصة عادلة عندما يتعلق الأمر بثقافة بلد بحجم العراق.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: هل يصبح حيدر الفزع وزيراً للثقافة؟
السؤال الأهم هو:
هل ستختار الدولة وزير الثقافة على أساس ما يستطيع أن يقدمه للعراق أم على أساس ما تفرضه الحسابات السياسية؟
الإجابة عن هذا السؤال وحدها ستكون أكبر من اسم أي مرشح.
أما نحن، أبناء الثقافة والإعلام فنقولها بوضوح:
حيدر الفزع خيار نضعه أمام دولة رئيس الوزراء والحكم أولاً وأخيراً للكفاءة والمصلحة الوطني .


