واع / ارتدادات الحرب الراهنة الأمريكية–الإيرانية على النظام الدولي وتوازن المنطقة/ آراء حرة / الباحث: اوس اكرم البكري

في لحظة دولية مشحونة تتجاوز المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران حدودها الجغرافية لتتحول إلى اختبار واسع لصلابة النظام الدولي وقدرته على احتواء الأزمات فهذه الحرب بطبيعتها وتعقيداتها لا تقاس فقط بما تحدثه من دمار مباشر بل بما تخلفه من ارتدادات عميقة تطال موازين القوى ومفهوم الشرعية الدولية واستقرار المنطقة برمتها.

على مستوى النظام الدولي تعيد هذه المواجهة طرح تساؤلات جوهرية حول فاعلية منظومة الأمم المتحدة ومدى قدرتها على فرض قواعد السلم والأمن الدوليين فمع تصاعد العمليات العسكرية الامريكية على ايران يبدو مجلس الأمن في موقع صعب بين الانقسامات السياسية للدول الكبرى ما يحد من قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة هذا الواقع يعزز الانطباع بأن النظام الدولي يشهد حالة من التآكل التدريجي حيث تتراجع هيبة القانون الدولي أمام اعتبارات القوة والمصالح.

وفي السياق ذاته تسهم الحرب في إعادة تشكيل التحالفات الدولية إذ تتجه بعض الدول إلى إعادة تموضعها السياسي بما يتناسب مع مصالحها الاستراتيجية ما قد يؤدي إلى نشوء محاور جديدة أو إحياء اصطفافات قديمة هذا التحول لا يقتصر على القوى الكبرى بل يمتد إلى الدول الإقليمية التي تجد نفسها مضطرة لاختيار مواقف دقيقة في بيئة شديدة الحساسية.

أما على مستوى الشرق الأوسط فإن ارتدادات الحرب تبدو أكثر مباشرة وحده فدول مثل العراق وسوريا ولبنان تقف في قلب التفاعلات بحكم موقعها الجغرافي وتشابك علاقاتها مع أطراف النزاع ويخشى أن تتحول هذه الدول إلى ساحات صراع غير مباشر ما يهدد بتقويض استقرارها ويزيد من تعقيد أزماتها الداخلية.

ففي الجانب الاقتصادي تلقي الحرب بظلالها الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية خاصة مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط، أي اضطراب في هذا الشريان الحيوي ينعكس فورا على الأسعار العالمية ويؤدي إلى موجات تضخم قد تطال الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء ما يجعل من النزاع عاملا مؤثرا في الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وفي البعد الإنساني تتجلى تداعيات الحرب في تفاقم الأزمات الإنسانية، من نزوح السكان إلى تدهور الخدمات الأساسية الأمر الذي يضع ضغوطا متزايدة على المنظمات الدولية وفي مقدمتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومع استمرار القتال تتسع فجوة المعاناة الإنسانية، لتصبح أحد أبرز ملامح هذا الصراع.

قانونيا تطرح الحرب إشكاليات معقدة تتعلق بمشروعية استخدام القوة وحدود الدفاع عن النفس، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. كما تفتح الباب أمام مساءلة قانونية محتملة سواء على مستوى الدول أو الأفراد، في حال وقوع انتهاكات جسيمة وهو ما قد يعيد تفعيل دور هيئات قضائية دولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

في المحصلة تكشف الحرب الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران عن واقع دولي مضطرب تتراجع فيه قواعد الضبط التقليدية وتتقدم فيه حسابات القوة على حساب القانون. وبين تداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية تبقى هذه الحرب مؤشرا على مرحلة جديدة من التحولات، قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي وتوازنات المنطقة لسنوات طويلة قادمة.