واع / اختبار الحكومة في وزارة الثقافة… هل يكون الفزع خيار المرحلة / اراء حرة /بقلم: د. سيف صبار
في اللحظات المفصلية التي تعيد فيها الدول تعريف أولوياتها، لا يكون اختيار القيادات ترفًا سياسيًا، بل قرارًا يؤسس لمرحلة جديدة. والعراق اليوم، وهو يقف على تخوم تحوّل يحتاج فيه إلى إعادة الاعتبار لهويته الثقافية، يجد نفسه أمام سؤال جوهري: من يقود وزارة الثقافة بروح المشروع لا بروتوكول المنصب؟
ليست الثقافة في معناها الحقيقي مهرجانات عابرة أو بيانات إنشائية، بل هي بنية وعي، وصناعة صورة، وإدارة ذاكرة وطن. ومن هنا، فإن أي شخصية تتقدم لقيادة هذا الملف، يجب أن تمتلك ما هو أبعد من السيرة الإدارية؛ تحتاج إلى تجربة حيّة، وإحساس عميق بدور الكلمة، وفهم دقيق لطبيعة التأثير.
ضمن هذا السياق، يبرز اسم الدكتور حيدر الفزع، ليس بوصفه مرشحًا تقليديًا، بل كنموذج تشكّل خارج القوالب الجاهزة. فالرجل لم يبنِ حضوره عبر المناصب، بل عبر التراكم؛ تراكم الموقف، وتراكم الحضور، وتراكم الثقة التي منحها له الوسط الإعلامي والثقافي على مدى سنوات طويلة.
ما يميّز الفزع ليس فقط خبرته الممتدة، بل قدرته على الجمع بين ما يبدو متناقضًا: إنسانية عالية في التعاطي، وصلابة مهنية في القرار. وهذه معادلة نادرة في بيئة غالبًا ما تفصل بين البعدين. لذلك، لم يكن غريبًا أن يتحول اسمه إلى نقطة التقاء بين شرائح مختلفة من الصحفيين والمثقفين، ممن وجدوا فيه صوتًا يفهمهم، لا مجرد مسؤول يتحدث باسمهم.
والأهم من ذلك، أن تجربته الإعلامية لم تكن محلية منغلقة، بل امتلكت بعدًا تواصليًا أوسع، مكّنه من نقل الصوت العراقي خارج حدوده، في أوقات كان فيها هذا الصوت بحاجة إلى من يقدّمه بوعي ومسؤولية. وهذه القدرة على “ترجمة العراق” للعالم، هي بالضبط ما تحتاجه الثقافة اليوم، وهي تعيد بناء صورتها بعد سنوات من التشويه والإهمال.
إن وزارة الثقافة، إذا ما أُريد لها أن تكون فاعلة، تحتاج إلى عقل يعرف كيف يحوّل الإمكانات المحدودة إلى أثر، وكيف يخلق من المبادرات الصغيرة مشروعًا مستدامًا. وهذه ليست مهمة إدارية، بل رؤية قيادية، تقوم على فهم عميق لدور الثقافة في الاستقرار المجتمعي، وفي بناء القوة الناعمة للدولة.
من هنا، فإن طرح اسم الدكتور حيدر الفزع لا يأتي من فراغ، بل من قراءة لحاجة المرحلة. مرحلة تتطلب شخصية تعرف الوسط من داخله، وتمتلك القدرة على إعادة تنظيمه، وتحريره من الجمود، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كمحرّك للوعي لا تابع للقرار.
في النهاية، لا تُقاس قيمة المسؤول بما يشغله من منصب، بل بما يتركه من أثر. وإذا كان العراق يبحث اليوم عن أثرٍ يعيد للثقافة مكانتها، فإن الرهان يجب أن يكون على من يملك القدرة على تحويل هذا الطموح إلى واقع.
وهنا، لا يبدو الخيار مجرد اسم…


