واع / رئيس هيئة المستشارين: العراق يتبنى استراتيجية اقتصادية للانتقال من الأزمات إلى الازدهار
واع / بغداد
أكد رئيس هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء، يوسف خلف يوسف، أن الحكومة العراقية تتبنى رؤية اقتصادية وإصلاحية شاملة ترتكز على ثلاثة مسارات رئيسية لتعزيز الاستقرار وبناء اقتصاد منتج وتنويع مصادر الدخل، وفيما أشار إلى المضي بإصلاحات اقتصادية وتنموية تهدف إلى الانتقال من اقتصاد الأزمات إلى الازدهار المستدام، وتعزيز مكانة العراق ودوره في التكامل الاقتصادي الإقليمي والدولي، عبر تنفيذ إصلاحات شاملة لبناء اقتصاد منتج وتعزيز مكانة العراق إقليمياً.
وقال يوسف، في كلمة خلال مشاركته في جلسة حوار أقامها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين وتابعتها ( وكالة انباء الاعلام العراقي / واع ) : “في البداية، أشكر مملكة البحرين على استضافتنا في هذا الحوار المهم، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية على هذه النقاشات المثمرة التي تهتم وتُبيّن أهمية التحديات ومواجهتها وطرق الخلاص من حجم الاختناق الذي تمر به منطقتنا في ظل هذه الظروف”.
وأضاف: ” يسعدني أن أشارككم اليوم في هذه الجلسة المهمة التي تناقش واحدة من أبرز القضايا التي تواجه حكوماتنا في المرحلة الراهنة، وهي كيفية الانتقال من معالجة آثار الحروب والأزمات وإعادة بناء ما تضرر إلى تأسيس اقتصادات منتجة ومرنة وقادرة على تحقيق الازدهار المستدام”.
وتابع: “وأود أن أتناول هذا الموضوع من منظور التجربة العراقية، وفي ضوء الرؤية الاقتصادية والإصلاحية للحكومة العراقية الجديدة، التي تنطلق من قناعة أساسية مفادها أن الاستقرار السياسي والأمني والإصلاح الاقتصادي والتنمية البشرية والتكامل الإقليمي ليست مسارات منفصلة، بل عناصر مترابطة في مشروع بناء الدولة الحديثة”.
وأشار يوسف إلى أن “الثورات الجيوسياسية التي شهدتها منطقتنا، ولا سيما الحروب والصراعات الأخيرة، أثبتت أن آثار النزاعات لم تعد تقتصر على حدود الدول التي تشهدها، وإنما تمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية والأمن الغذائي وحركة الاستثمارات والاستقرار المالي”.
وأضاف، أن “هذه الأزمات أظهرت هشاشة بعض النماذج الاقتصادية التي تعتمد على مصدر واحد للإيرادات، أو مسار واحد للتجارة، أو منظومات إمداد تفتقر إلى المرونة والبدائل”.
وأوضح، أن “بالنسبة إلى العراق، فإن هذه التحديات تكتسب أهمية مضاعفة لكونه دولة ذات موقع جغرافي محوري، واقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، فضلاً عن التحديات المتراكمة نتيجة عقود من الحروب والإرهاب وعدم الاستقرار”.
وتابع: “ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي نواجهه لا يتمثل في إعادة إعمار البنى التحتية فحسب، بل في إعادة بناء قدرة الدولة والاقتصاد والمجتمع على الاستجابة للصدمات، وتقليل الاعتماد على الظروف الخارجية، وتحويل الاستقرار إلى فرص تنموية مستدامة”.
وأكد أن “إعادة الإعمار، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون غاية بحد ذاتها، وإنما ينبغي أن تكون نقطة انطلاق نحو نموذج اقتصادي جديد”.
وقال يوسف: إن “الحكومة العراقية الجديدة انطلقت في منهاجها الوزاري للأعوام الأربعة القادمة من رؤية واضحة تقوم على ثلاث مرتكزات أساسية: الدولة المستقرة، والاقتصاد المنتج، والشراكات المتوازنة”.
وأضاف، أن “الحكومة ترجمت هذه الرؤية إلى برنامج حكومي شامل يغطي أربعة عشر قطاعاً رئيسياً، في محاولة للانتقال من معالجة المشكلات بصورة قطاعية ومنفصلة، إلى اعتماد إصلاحات مترابطة تستهدف جذور التحديات”.
وبيّن أن “هذه الرؤية تقوم على ثلاثة مسارات متكاملة. المسار الأول هو تعزيز سيادة الدولة واستقرارها، وتوحيد القرار الأمني، وترسيخ سيادة القانون بما يوفر البيئة الضرورية للنشاط الاقتصادي والاستثمار. والمسار الثاني هو الإصلاح الاقتصادي والمالي من خلال تنويع مصادر الدخل، وإصلاح النظام المصرفي، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإعادة بناء الثقة بالاقتصاد الوطني. أما المسار الثالث فهو البناء المجتمعي والتنمية البشرية من خلال تحسين الخدمات الأساسية، وتطوير التعليم والصحة، وتمكين الشباب والمرأة، وتعزيز الحماية الاجتماعية والعدالة في توزيع فرص التنمية”.
وتابع: “ونحن ننظر إلى هذه المسارات الثلاثة بوصفها منظومة واحدة، فلا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام دون استقرار، ولا يمكن ضمان استقرار طويل الأمد دون تنمية عادلة توفر الفرص للمواطنين”.
وأكد رئيس هيئة المستشارين أن “تنويع الاقتصاد العراقي يمثل أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة في مقدمة أولوياتها”.
وأشار إلى أنه “على الرغم من امتلاك العراق موارد طبيعية كبيرة، فإن الاعتماد المرتفع على النفط يجعل المالية العامة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، والاضطرابات الجيوسياسية، والتحديات المرتبطة بممرات تصدير الطاقة”.
وأوضح، أن “الحكومة تتبنى توجهاً يقوم على إعادة هيكلة الاقتصاد وتعزيز القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا والنقل”.
وأضاف، أن “هذا التوجه يتضمن إصلاح القطاع المصرفي، وتطوير منظومة الامتثال المالي، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، وتحسين كفاءة إدارة الموارد”.
ولفت إلى أن “الحكومة تضع تمكين القطاع الخاص في قلب عملية التحول الاقتصادي، انطلاقاً من أن الدولة لا يمكن أن تبقى المشغل والممول والمستثمر الأكبر في جميع القطاعات، وإنما ينبغي أن تتحول تدريجياً إلى دولة منظمة ومحفزة للنشاط الاقتصادي، تضع السياسات، وتحمي المنافسة، وتضمن العدالة والشفافية، وتتيح للقطاع الخاص قيادة النمو وتوليد فرص العمل”.
وتابع: “والرسالة التي نريد إيصالها هنا واضحة: إن مستقبل الاقتصاد العراقي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم ما ينتجه من النفط، بل بحجم القيمة المضافة التي يستطيع إنتاجها، وفرص العمل التي يخلقها، وقدرته على المنافسة والاندماج في الاقتصادين الإقليمي والعالمي”.
وأكد يوسف، أن “أحد أهم الدروس التي كشفت عنها الأزمات الأخيرة هو أن البنية التحتية لم تعد مجرد طرق وجسور وموانئ ومحطات طاقة، وإنما أصبحت عنصراً أساسياً في الأمن الاقتصادي الوطني والإقليمي”.
وأضاف، أن “الدول التي لا تمتلك شبكات نقل متعددة ومصادر طاقة متنوعة وبنى تحتية رقمية متقدمة تكون أكثر قدرة على مواجهة الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية”.
وبيّن أن “العراق يمتلك في هذا الإطار فرصة استراتيجية للانتقال من كونه سوقاً وممراً جغرافياً إلى مركز إقليمي للتجارة والنقل والطاقة والبيانات”.
وأشار إلى أن “مشروع طريق التنمية يبرز بوصفه أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد صياغة دور العراق في حركة التجارة الإقليمية والدولية، من خلال الربط بين الموانئ العراقية وشبكات النقل الممتدة نحو تركيا وأوروبا، وأيضاً للربط من خلال ممرات الطاقة ومشروع أنبوب استراتيجي الذي يعمل عليه العراق مع الشركاء ليكون ممراً من جنوب العراق مروراً بسوريا والأردن وحتى تركيا وصولاً إلى أوروبا”.
وأكد أن “الأهمية الحقيقية لهذا المشروع لا تقتصر على نقل البضائع، بل تشمل ما يمكن أن ينشأ عن امتداده من مناطق صناعية ومراكز لوجستية وخدمات تجارية وفرص استثمار وتشغيل”.
وأضاف: “وبالتوازي مع ذلك، تسعى الحكومة إلى تطوير البنى التحتية للطاقة وتعزيز الربط الكهربائي والغازي مع دول الجوار، وتوسيع منافذ تصدير النفط، وتطوير الموانئ وسلاسل القيمة الصناعية”.
وقال يوسف: “السيدات والسادة، من المهم التأكيد على أن التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول لا ترتبط دائماً بندرة الموارد، وإنما قد ترتبط أيضاً بكفاءة المؤسسات وقدرتها على إدارة هذه الموارد”.
وأضاف، أن “الإصلاح المؤسسي والتحول الرقمي الشامل يمثل محوراً أساسياً في البرنامج الحكومي العراقي، فالحكومة تتجه نحو إطلاق استراتيجية وطنية شاملة للتحول الرقمي وتطوير البنى التحتية للاتصالات ومراكز البيانات الحكومية، وأتمتة الإجراءات والخدمات، وتعزيز منظومة الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي”.
وأكد رئيس هيئة المستشارين أن “تجربة العراق، بما شهدته من تحديات كبيرة خلال العقود الماضية، تؤكد أن بناء السلام والاستقرار لا يكتمل بمجرد انتهاء النزاعات، وإنما يتطلب بناء مؤسسات فاعلة واقتصاد منتج ومجتمع يمتلك الثقة بالمستقبل”.
وأضاف، أنه “قد يكون من السهل نسبياً إعادة بناء جسر أو طريق أو منشأة تضررت بفعل الحرب، لكن التحدي الأكبر يكمن في إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة وإصلاح الاقتصاد وتوفير الفرص للأجيال القادمة”.
وتابع: “ونحن نؤمن بأن العراق، بما يمتلكه من موارد وموقع جغرافي وطاقات بشرية، قادر على التحول من دولة تأثرت لعقود بالصراعات والأزمات إلى شريك إقليمي ودولي فاعل في التنمية والاستقرار”.
وختم رئيس هيئة المستشارين حديثه بالقول” وأود أن أختم برسالة أرى أنها تلخص جوهر هذه الجلسة: إن إعادة الإعمار تعيد بناء ما دمرته الأزمات، والتنمية تبني قدرات الدولة والمجتمع، أما الازدهار فيتحقق عندما تصبح هذه القدرات مستدامة وتتحول إلى فرص وأمن اقتصادي وحياة أفضل للمواطنين”.
وأكد أن “هذا هو التحول الذي يسعى العراق إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة”.
ت / ع ع


