واع / تمكين الثقافة… حين يكون الفزع خيار الدولة/ اراء حرة / بقلم: نغم الشمري
في الأزمنة التي تتكاثر فيها التحديات، لا تبحث الدول عن موظفين لإدارة وزاراتها، بل عن رجال دولة يمتلكون الرؤية والإرادة والقدرة على صناعة الأثر. والثقافة، على وجه الخصوص، ليست وزارة للمناسبات والاحتفالات، بل هي مصنع الوعي، وحارس الهوية، والواجهة التي تُعرّف الأمم بنفسها قبل أن يعرّفها الآخرون.
إن تولي الدكتور حيدر حسون الفزع حقيبة وزارة الثقافة يمثل رسالة تتجاوز حدود المنصب، لتعلن أن الكفاءة والخبرة الميدانية والالتصاق الحقيقي بالمشهد الثقافي يمكن أن تكون معيارًا في صناعة القرار. فالرجل لم يكن طارئًا على الوسط الثقافي أو الإعلامي، بل كان حاضرًا في تفاصيله، قريبًا من هموم المثقفين، ومدافعًا عن حقهم في أن يكونوا شركاء في بناء الوطن لا مجرد متفرجين على مشهده.
العراق اليوم لا يحتاج إلى خطابات منمقة بقدر حاجته إلى مشروع ثقافي يعيد الاعتبار للكتاب، والمسرح، والسينما، والفنون، ويحفظ الإرث الحضاري الذي تتباهى به الإنسانية جمعاء. فالثقافة ليست ترفًا، وإنما خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية في مواجهة الجهل والتطرف والانقسام.
ولعل ما يمنح هذه المرحلة أهميتها أن آمال المثقفين باتت معلقة على أن تتحول وزارة الثقافة إلى بيت مفتوح للجميع، بعيدًا عن الإقصاء والمحاصصة، وأن تستعيد دورها الحقيقي في دعم المبدعين ورعاية الطاقات الشابة وإيصال الصوت العراقي إلى المنابر العربية والدولية.
النجاح في هذا المنصب لن يقاس بعدد المهرجانات أو الاحتفالات، وإنما بما سيُنجز من إصلاحات حقيقية تعيد للمؤسسة الثقافية هيبتها، وللمثقف مكانته، وللإبداع العراقي حضوره الذي يستحقه. وهذه مسؤولية كبيرة، لكنها ليست بعيدة عن رجل عرفه كثيرون بالإصرار والعمل والعلاقات الواسعة مع مختلف النخب الثقافية والإعلامية.
إن الرهان على الثقافة هو رهان على مستقبل العراق، والرهان على الكفاءات الوطنية هو الطريق الأقصر لبناء الدولة. وإذا كانت المرحلة تحتاج إلى صوت يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، فإن الدكتور حيدر حسون الفزع يقف اليوم أمام مسؤولية تاريخية، ينتظر منها الوسط الثقافي أن تكون بداية عهد جديد، تُصان فيه الكلمة، ويُكرَّم فيه المبدع، ويستعيد العراق مكانته الثقافية التي طالما كانت منارةً للمنطقة والعالم.
فالأوطان تُبنى بالسواعد، لكنها لا تنهض إلا بالعقول… والثقافة هي العقل الذي لا يجوز أن يغيب.


