واع / الأطفال ليسوا أطرافًا في دعوى / اراء حرة/ نغم الشمري
في العراق، لا تكاد تخلو محكمة أحوال شخصية من قضايا حضانة أو مشاهدة، ولا يكاد يمر يوم إلا ويغادر طفل قاعة المحكمة وهو يحمل في داخله من الأسئلة أكثر مما يحمل الكبار من الإجابات. فبين أوراق الدعاوى، وقرارات المحاكم، والخلافات المتراكمة، يبقى الطفل هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن انفصال لم يكن طرفًا فيه.
لقد شرعت قوانين الأحوال الشخصية لحماية الأسرة، وتحقيق العدالة بين أطرافها، إلا أن تطورات الحياة الاجتماعية والنفسية تفرض اليوم مراجعة بعض الآليات التي تنظم الحضانة وحق المشاهدة، بما ينسجم مع المصلحة الفضلى للطفل، وهي المبدأ الذي تتبناه التشريعات الحديثة في مختلف دول العالم.
لا خلاف على أن الأم هي الأكثر التصاقًا بالطفل، وأن وجوده في كنفها، خصوصًا في سنواته الأولى، يمثل حاجة نفسية وتربوية لا يمكن إنكارها. فالأم ليست مجرد حاضنة، بل هي مصدر الأمان الأول، والمدرسة الأولى، وصاحبة الدور الأكبر في بناء شخصية الطفل.
لكن، في المقابل، لا يجوز أن تتحول الحضانة إلى قطيعة مع الأب، أو أن يُختزل دوره في زيارة سريعة داخل دائرة رسمية أو مكان عام، لا تمنحه فرصة لاحتضان أطفاله أو مشاركتهم تفاصيل حياتهم. فالأب ليس مجرد ملزم بالنفقة، بل هو شريك في التربية، وركيزة أساسية في بناء شخصية أبنائه، وحرمان الطفل من هذا الدور لا يقل خطورة عن حرمانه من حنان أمه.
إن حق المشاهدة بصورته التقليدية يحتاج إلى إعادة نظر، لأن الهدف منه ليس تنفيذ حكم قضائي فحسب، بل المحافظة على العلاقة الإنسانية بين الأب وأطفاله. فالطفل يحتاج إلى وقت حقيقي مع والده، وإلى مشاركة المناسبات، والإجازات، والنجاحات، واللحظات اليومية التي تصنع الذكريات، لا إلى لقاءات مقتضبة تنتهي قبل أن يبدأ دفء المشاعر.
والأخطر من ذلك كله هو استخدام الأطفال أداةً للانتقام بين الزوجين. فكم من أب حُرم من رؤية أبنائه بسبب خلافات لا علاقة لهم بها، وكم من أم تعرضت للضغط أو الابتزاز عبر أطفالها. وفي الحالتين، يبقى الخاسر الوحيد هو الطفل، الذي يكبر وهو يحمل ندوبًا نفسية قد ترافقه طوال حياته.
إن الحاجة اليوم ليست إلى الانحياز للأب أو للأم، وإنما إلى الانحياز للطفولة. فالقانون الذي يحمي الطفل هو القانون الذي يحقق التوازن بين حق الأم في الحضانة، وحق الأب في التواصل الفاعل مع أبنائه، ويمنع استغلال أي من هذين الحقين للإضرار بالطرف الآخر.
ومن هنا، فإن تطوير التشريعات العراقية الخاصة بالحضانة والمشاهدة أصبح ضرورة مجتمعية، من خلال اعتماد آليات أكثر مرونة وإنسانية، وتوسيع خيارات التواصل بين الطفل ووالده، وتعزيز دور الإرشاد الأسري والوساطة قبل وبعد الطلاق، مع تشديد العقوبات على كل من يثبت تعمده حرمان الطفل من أحد والديه دون مسوغ قانوني.
إن الدول لا تُقاس فقط بعدد قوانينها، بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها. وأضعف من في قضايا الطلاق هم الأطفال، الذين لا يطلبون من الدنيا أكثر من حق بسيط: أن تبقى أمهم حضنًا دافئًا، وأن يبقى أبوهم سندًا حاضرًا، وأن لا يُجبروا على دفع ثمن خلاف لم يختاروه.
فالطلاق قد يكون نهاية علاقة زوجية، لكنه لا يجب أن يكون نهاية الأبوة، ولا انتقاصًا من الأمومة، ولا بداية لطفولة مكسورة. إن إصلاح قوانين الحضانة والمشاهدة ليس انتصارًا للرجل ولا للمرأة، بل انتصار للعراق، الذي يستحق أطفاله أن ينشأوا في بيئة تحفظ كرامتهم وحقوقهم ومستقبلهم.


