واع / حيدر الفزع في زمن المحاصصة… صحفيون يستحقون أن تعود الثقافة إليهم / آراء حرة / هاتف الثلج
تحتاج الثقافة العراقية اليوم إلى رجلٍ يدخل الوزارة حاملاً وجع المهنة لا حقيبة السياسة، ويجلس على كرسي المسؤولية وهو يعرف أن خلف أبواب المؤسسات عشرات الصحفيين والأدباء والفنانين الذين أنهكتهم السنوات، وأن الثقافة التي تُدار من فوق رؤوس أصحابها تفقد شيئاً من روحها كلما ابتعدت عن أهلها. وفي زمنٍ صار فيه المنصب أحياناً نتيجة حسابات المحاصصة أكثر مما هو نتيجة الكفاءة، يصبح ترشيح الدكتور حيدر حسون الفزع مناسبة لقول الحقيقة كاملة، لا مجاملة فيها ولا تزويق، فالقضية في جوهرها ليست شخصاً يبحث عن وزارة، وإنما مهنة تبحث عن حقها في أن يكون أحد أبنائها على رأس مؤسستها الثقافية.عرفت حيدر حسون الفزع من موقع العمل والمسؤولية، ورأيت فيه شيئاً لا تستطيع الشهادات وحدها أن تمنحه لصاحبها؛ رأيت إنساناً يضع الصحفي في مقدمة اهتمامه، ويعرف أن وراء كل اسم في مؤسسة إعلامية بيتاً، ووراء كل صحفي عائلة، ووراء كل مبدع سنوات من التعب قد لا يراها أحد. وحين كانت المؤسسة تصدر جريدة، وكنت أكلفه بمتابعة تعيين صحفي محتاج، لم يكن يتعامل مع الأمر بوصفه معاملة إدارية تنتهي بتوقيع، بل كان يدرك أن التعيين قد يكون بالنسبة إلى ذلك الصحفي فاصلاً بين العجز والقدرة على مواجهة الحياة. وحين كنت أوصيه بزيارة مريض من زملاء المهنة، كان يسارع إلى نجدته قدر الإمكان، لأن المريض لا يحتاج إلى خطبة عن الوفاء، وإنما يحتاج إلى إنسان يطرق بابه.وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعلني أكتب اليوم بقوة أكبر، لأنني لا أبحث عن وزير يملك مفاتيح مكتب، وإنما عن رجل يعرف أين يضع المفتاح عندما تكون الأبواب مغلقة في وجه الصحفيين والمثقفين. لقد أصبح الصحفي العراقي في كثير من المراحل ضحية نظامٍ لا يرى فيه إلا أداة عند الحاجة، ثم ينساه عندما تنتهي الحاجة. يكتب، يصور، يلاحق الخبر، يقف في الشمس، يواجه الخطر، يحمل هموم الناس، ثم يعود إلى بيته محملاً بالقلق على راتبه ومستقبله ومرضه وأسرته.ومن هنا فإن أول نصيحة أقولها للدكتور حيدر حسون الفزع إذا امتدت إليه يد المسؤولية: لا تنسَ الصحفيين الذين أوصلوا صوت العراق إلى العالم، ولا تجعل الوزارة مكتباً مغلقاً أمامهم. افتح أبوابها لمن ظلوا سنوات يطرقونها. اجعل للصحفي المريض مكاناً في أولوياتك، وللمتقاعد الذي أفنى عمره في المهنة حقاً في أن يسمع صوته، وللصحفي الذي فقد عمله فرصةً تحفظ له كرامته، وللشاب الذي دخل الإعلام مؤمناً برسالته طريقاً يستطيع من خلاله أن يعيش دون أن يبيع قلمه.
إن الصحافة العراقية لا تحتاج إلى المزيد من الكلمات التي تمدحها، وإنما تحتاج إلى إجراءات تعيد إليها اعتبارها. تحتاج إلى صندوق حقيقي لرعاية الصحفيين المرضى والمحتاجين، وإلى برامج إسكان تساعد من أمضوا أعمارهم في خدمة الكلمة، وإلى حماية اجتماعية تليق بمن جعلوا من المهنة جسراً بين المواطن والدولة، وإلى فرص تدريب حقيقية للأجيال الجديدة، وإلى دعم المؤسسات الثقافية والإعلامية المستقلة بعيداً عن الولاءات والمحسوبيات.وإذا وصل الفزع إلى وزارة الثقافة، فإنني أتمنى ألا يبدأ من المكاتب، بل من الملفات المنسية؛ ملفات الصحفيين الذين أنهكتهم الحاجة، والفنانين الذين توقفت مشاريعهم، والأدباء الذين نشروا كتبهم على حساب قوت عائلاتهم، والمثقفين الذين أُغلقت أمامهم الأبواب لأنهم لم يعرفوا الطريق إلى أصحاب النفوذ. تلك الملفات هي التي ينبغي أن تكون على طاولة الوزير قبل الاحتفالات وقبل المؤتمرات وقبل الصور الرسمية.
لقد تحولت الثقافة في مراحل كثيرة إلى ضحية للمحاصصة، وحين تتحول الثقافة إلى ضحية، يصبح المجتمع كله ضحية؛ لأن الثقافة هي المجال الذي ينبغي أن يقول للسلطة ما لا تريد سماعه، وأن يضع أمام المجتمع مرآته الحقيقية، وأن يحفظ الذاكرة من التزييف. الثقافة ليست ملحقاً للسياسة، ولا واجهة احتفالية للحكومة، ولا مساحة لتوزيع المناصب. الثقافة روح الدولة، وإذا مرضت الروح فلن تنفع كثرة المكاتب ولا ضخامة المباني.المحاصصة لا تكتفي بتوزيع المواقع، بل تزرع في النفوس شعوراً خطيراً بأن الكفاءة وحدها لا تكفي. وعندما يؤمن الإنسان بأن الطريق إلى المنصب يمر من خلال جهة سياسية لا من خلال إنجازه، يبدأ الوطن بخسارة أبنائه المخلصين واحداً بعد آخر. يصبح المبدع صامتاً، والصحفي محبطاً، والشاب الباحث عن فرصة أكثر استعداداً للهجرة، ويصبح أصحاب الخبرة بعيدين عن مواقع القرار لأنهم لم يتعلموا لغة الولاءات.وهنا أقول للفزع، إن وصلت إليه أمانة الوزارة: لا تسمح أن تتحول تجربتك في العمل الإعلامي إلى مجرد مرحلة تسبق المنصب. خذها معك إلى الوزارة، بكل ما فيها من وجوه وأسماء وذكريات وأوجاع. تذكر أول صحفي طرق بابك، وأول مريض زرتَه، وأول إنسان احتاج إلى مساعدة منك، لأن تلك الوجوه هي التي يجب أن تكون حاضرة عندما تجلس أمام ملفات الثقافة.وعليك أن تعرف أن أصعب امتحان للوزير ليس يوم تسلّم المنصب، وإنما اليوم الذي يستطيع فيه أن يقول «لا» لمن يريد أن يفرض اسماً لا يستحق، أو يطلب امتيازاً لا يستحقه، أو يحاول أن يجعل المؤسسة الثقافية تابعاً لحزبه أو جماعته. عندها فقط يعرف الناس معدن المسؤول.فالوزارة ليست غنيمة، ولا جائزة، ولا محطة شخصية.الوزارة دين في رقبة من يتولاها. ومن يدخل وزارة الثقافة عليه أن يعرف أنه دخل إلى بيت جلجامش وإنخيدوانا والمتنبي والجواهري والسياب، إلى بيت المسرح العراقي والسينما والصحافة والفن التشكيلي والرواية والقصة، إلى بيت أجيال صنعت من الكلمة وطناً آخر عندما ضاقت عليها أوطان السياسة.
وأنا لا أطالب الفزع بأن يعيد الثقافة إلى الماضي، بل أريده أن يعيد الثقافة إلى أهلها. أن يعيد للصحفي مكانته، وللأديب كرامته، وللفنان حقه، وللمثقف صوته. أن يجعل الوزارة بيتاً للمهنة لا حصناً ضد المهنة. أن ينظر إلى الصحفي المحتاج باعتباره صاحب حق لا طالب إحسان، وإلى المثقف باعتباره شريكاً في بناء الدولة لا شخصاً ينتظر دعوة إلى احتفال.ولعل أكثر ما تحتاجه الثقافة العراقية اليوم هو المصالحة مع أبنائها؛ أن تعود المؤسسات إلى الذين صنعوا محتواها، وأن تصبح الكفاءة طريقاً إلى المسؤولية، وأن تتراجع المحاصصة إلى المكان الذي لا تستطيع فيه أن تقتل الموهبة أو تحجب الحق.لقد رأينا كيف يمكن لمؤسسة صغيرة أن تكون كبيرة عندما يحضر فيها الإنسان، وكيف يمكن لمسؤول أن يترك أثراً لا بسبب حجم سلطته، بل بسبب حجم إنسانيته.والدكتورحيدر حسون الفزع، بما عرف عنه زملاؤه من اهتمام بالصحفيين وتفقد المرضى ومتابعة شؤون المحتاجين، يمتلك نقطة انطلاق مهمة؛ لكن النقطة الأهم تبدأ إذا أصبح القرار في يده، لأن المسؤولية عندها ستنتقل من مساعدة فرد إلى بناء مؤسسة.
وهنا تكون النصيحة الأكبر: لا تكتفِ بأن تساعد الصحفيين واحداً واحداً، بل ابنِ لهم نظاماً يحميهم جميعاً. لا تنتظر أن يخبرك أحد بمرض صحفي، بل اجعل في الوزارة مؤسسة تعرف أحوالهم. لا تجعل مساعدة المحتاج مرتبطة بعلاقة شخصية، بل اجعلها حقاً واضحاً تحفظه القوانين. لا تجعل فرصة العمل هدية، بل اجعلها ثمرة للكفاءة. لا تجعل الثقافة باباً لمن يعرف المسؤول، بل افتحها لمن يستحق.إذا استطاع الفزع أن يفعل ذلك، فلن يكون قد تولى وزارة الثقافة فقط، بل سيكون قد أعاد للثقافة شيئاً فقدته طويلاً: ثقتها بأبنائها.إننا لا نريد وزيراً يكثر من الكلام عن الثقافة، وإنما وزيراً يعيد إليها كرامتها. لا نريد صوراً جديدة على جدران الوزارة، وإنما نريد أبواباً جديدة تفتح أمام المبدعين. لا نريد احتفالات كثيرة، وإنما نريد صحفياً مريضاً يجد من يسأل عنه، وفناناً متعباً يجد من يحمي مشروعه، وأديباً فقيراً يجد من يحفظ له كرامته، وشاباً موهوباً يجد فرصة لا تمر عبر وسيط.ولذلك فإن دعمنا لترشيح الدكتور حيدر حسون الفزع لا ينبغي أن يكون دعماً لشخص فقط، بل دعماً لفكرة أكبر: أن يكون وزير الثقافة عراقياً من صميم الثقافة، صحفياً أو إعلامياً أو أديباً أو فناناً، يعرف وجوه المهنة وأسرارها، ويعرف أن الثقافة لا تُدار بمنطق الحصص وإنما بمنطق المسؤولية.لقد آن للصحفي الذي أصبح ضحية للمحاصصة أن يستعيد مكانه، وللمثقف الذي أُبعد عن القرار أن يستعيد صوته، وللثقافة التي تراجعت أمام الحسابات السياسية أن تستعيد موقعها الطبيعي في الدولة. وإذا كان الفزع قد عرف الصحفي في لحظة حاجته، فإن التحدي الحقيقي أن يعرفه وهو في موقع القرار، وأن يحول معرفته الشخصية بأوجاع الناس إلى سياسة عامة لا يستثنى منها أحد.
عندها فقط يمكن أن نقول إن رجلاً من أهل المهنة دخل الوزارة ولم تأخذه الوزارة بعيداً عن المهنة، وإن الثقافة وجدت أخيراً من يعيدها إلى أصحابها.
فيا دكتور حيدر حسون الفزع، إن وصلت إلى هذا المكان، تذكر أن الوزارة ستمنحك مكتباً وحراساً وسيارة وملفات، لكنها لن تمنحك احترام الناس؛ ذلك عليك أن تبنيه بيدك. وستمنحك السلطة فرصة أن توقع، لكنها لن تمنحك الحق في أن تكون عادلاً؛ ذلك قرارك. وستضع أمامك أسماء كثيرة، لكن عليك أن تبحث خلف الأسماء عن الإنسان. وإذا وقفت أمامك المحاصصة يوماً، فتذكر أن خلفها صحفياً مريضاً، وفناناً مكسوراً، وأديباً مهملاً، وشاباً ينتظر فرصته، ومثقفاً رفض أن يبيع صوته.حينها سيكون انتصارك الحقيقي ألا تصبح جزءاً من المشكلة، بل أن تكون بداية للخروج منها.فالعراق لا ينقصه المبدعون، ولا الصحفيون، ولا الأدباء، ولا الفنانون، ولا أصحاب الخبرة؛ الذي ينقصه أحياناً أن تصل هذه الكفاءات إلى المكان الذي تستطيع فيه أن تخدم. ومن هنا يبدأ الرهان على حيدر حسون الفزع: أن يعيد ما أخذته المحاصصة من الثقافة، وأن يجعل الوزارة بيتاً للصحفيين والمثقفين والفنانين، وأن يثبت أن المسؤولية يمكن أن تكون أخلاقاً قبل أن تكون منصباً، وأن الوزير يستطيع أن يترك وراءه مؤسسة أقوى من اسمه، وثقافة أوسع من كرسيه، وذاكرة أجمل من صورته.
تلك هي الوزارة التي نريدها، وذلك هو الوزير الذي ننتظره، وتلك هي الكلمة التي ينبغي أن تقال الآن بلا خوف: كفى للمحاصصة، وحان وقت أن تعود الثقافة إلى أهلها.


