واع / بيـن المخبـر السري.. والمخبـر ( الجنـي )…!!/ آراء حرة/ كتب:سـعد الأوسـي

في خِضم الفوضى بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وبينما كانت الشوارع تغص بلصوص ( الحواسم ) وبدايات عمليات القتل الطائفي، ونشاط الجماعات الإرهابية المتسترة بشعار المقاومة، كنتُ متوزعاً بين شغفي الصحفي في إصدار جريدة ( الشاهد المستقل ) التي كانت تحقق أعلى نسبة توزيع ومبيعات، وبين المهمة التي شرفني بها الفريق المقاتل النزيه البطل الفريق أول طيار محمد الشهواني، مع مجموعة من الضباط لإعادة تأسيس جهاز المخابرات الجديد على وفق الأهداف الوطنية والمهنية التي تليق به، بعيداً عن الهوية المترسخة في أذهان العراقيين عن الأجهزة الأمنية في النظام السابق، المحاطة بهالة من الخوف والرعب والبطش والجبروت.
والحق أقول إن الفريق أول طيار محمد عبدالله الشهواني، رئيس الجهاز، كان مثالاً عالياً في الإدارة المؤسسية للجهاز على اعتبارات مهنية ووطنية محضة، بدقة وموضوعية وحزم وعدالة، ونزاهة وامانة وضمن سياقات وأسس مهنية لاختيار الكوادر والكفاءات التي تستحق العمل في هذا الجهاز الحساس، وتكون على قدر مسؤولية المهمة الجسيمة المنوطة بهم. خاصة ونحن نبني الجهاز من الصفر ودون أي تراكم خبرات لدى الكوادر الجديدة إلا فيما ندر.
وقد أُخضعوا لاختبارات ذكاء ومعرفة وقدرات وتحمل عديدة، على وفق توجيهات دقيقة من الفريق رئيس الجهاز، إضافة إلى وجوب توفر الشهادات الجامعية العالية في اختصاصات مهمة، وهي المعايير التي تعمل بموجبها جميع أجهزة المخابرات في الدول الكبرى. ولعلي لا أفشي سراً أن جميع الضباط الذين اختيروا في مرحلة إعادة تأسيس الجهاز خضعوا لاختبارات بدنية ونفسية وسلوكية وعقلية بالغة الصرامة والدقة، وآخرها كان جهاز كشف الكذب.
كان القائد وهي الصفة التي كانت تطلق على رئيس الجهاز الشهواني انه يشدد في توجيهاته وباستمرار،لانريد ان يكون الجهاز تابع او فيه أي مدير أو ضابط او منتسب تابع لأي جهة سياسية نريد أن يكون الجهاز تابع للعراق وحده واي مديرعام أو مستشار او ضابط أو موظف يثبت انه منتمٍ لأية جهة سياسية تنهى خدماته على الفور.. وللتاريخ كان الشهواني رجلاً وطنياً مستقلاً نزيهاً لم يخضع ولم يذعن لأي جهة سياسية واي ترشيح كان يصله من أية جهة سياسية يأخذ طريقه إلى تالفة الأوراق..
مع الأسف، إن كل هذه المعايير الدقيقة في اختيار الكادر الأول للجهاز خُربت وضُيعت بعد خروج الفريق أول طيار محمد عبد الله الشهواني، واستلام زهير الغرباوي لرئاسة الجهاز وكالة، والذي عاث فساداً في عمله واختصاصاته وسياقاته وكوادره، وفتح الأبواب على مصاريعها لكي يدخل مئات الجهلة والأغبياء والفاسدين واللصوص، في صفقات ( التخادم) وتبادل المصالح التي نشط الغرباوي بها لضمان بقائه أطول فترة ممكنة في المنصب.
حتى أوصل هذه المؤسسة العريقة إلى أردأ أحوالها في وقته، وصلت إلى أنه نصب ( ( برج طيور)! داخل الجهاز ليمارس هوايته كـ ( مطيرچي عريق)! بل وخصص ضابطاً برتبة ( مقدم مخابرات)! للعناية بطيوره وإطعامها وتنظيفها وتطييرها والتصفير وترديد ( الكش عاع ) بدل ، معالي الرئيس الغرباوي”!!!
وكان لابد لفوضى ( المطيرچي ) أن تنتج فوضى أكبر وصلت إلى حد بيع الدرجات الوظيفية كحال باقي الدوائر والوزارات؟! ومع أن آفـة بيع الدرجات الوظيفية تُعد أكثر ظواهر انهيار البنية الإدارية !! وتجهيل المؤسسات الحكومية خراباً وتدميراً، إلا أنها تظل أقل خطراً من تسللها إلى أهم وأخطر الأجهزة الأمنية ( المخابرات ) الذي يُفترض به أن يكون درع الدولة الخارجي وحاميها وعينها الرقيبة، لا أن يصبح ( سـداح مـداح ) منتهكاً معدوم السرية، مكشوف الطهر والبطن لكل من هب ودب؟
وكان نتاج ذلك أن هذا الجهاز الأمني ذا المعايير الدقيقة، وأشباهه كجهاز وكالة الاستخبارات التابعة للداخلية والأمن الوطني ومديريات الامن والاستخبارات ومديرية الاستخبارات العسكرية ، وبسبب هذه المعايير المهنية المهلهلة، صاروا يعملون بنظام ( المخبـر السـري ) ..!!؟؟؟ وما أدراكم ما هي كارثة وجريمة وبلوى (المخبر السري) التي كثيراً ما قطعت رقاباً بريئة وهدمت بيوتاً آمنة.!
أذكر لكم في هذا السياق قضية اطلعت على ملفها تخص ضابطاً برتبة ( مقدم ركن) في وزارة الدفاع، ( علـس عليـه ) نائب ضابط يعمل معه تحت بند (المخبر السري ) ،،واتهمه بأنه بعثي، بل كادر في حـزب البعـث..؟ !! مع وجوب الإشارة إلى أن هذا الضابط البطل كان يقود آخر وحدة عسكرية مقاتلة صامدة ضد الأمريكان في أم قصر، يوم كانت المدن العراقية تتساقط أمام الزحف الأمريكي واحدة تلو الأخرى دون مقاومة .. وحين سألت اللجنة التحقيقية المشكلة في مديرية الاستخبارات العسكرية ذلك النائب ضابط (المخبر السري ) !ما هو دليلك على أن الضابط بعثي؟ وهل لديك وثيقة…؟؟!!
لأنهم لم يجدوا أي إضبارة أو وثيقة أو معلومة تثبت ذلك عليه، فأجاب: إن أحد ( الموثوقين) لديه أخبره بهذه المعلومة ( الخطيــرة )!؟. فسألته اللجنة: من هو هذا الشخص الموثوق الذي أعطاك المعلومة؟
فأجاب: إنه موضوع خاص جداً لا أستطيع البوح به.! ومع إصرار اللجنة على ضرورة معرفة اسم مصدر المعلومة، وإصرار نائب الضابط على عدم البوح به، اضطرت اللجنة إلى إيداعه التوقيف للضغط عليه، خاصة وأن شهادته ستحدد مصير ضابط مشهود له بالكفاءة والشجاعة.
بعد الأيام العشرة في التوقيف، قرر نائب الضابط الكشف عن اسم مصدره للجنة التحقيقية، فقال بصوت هامس خائف: إن الذي أخبره بالمعلومة هو ( جني ) يعمل تحت تصرفه خادم لديه؟ !!.. وإنه ( جني ) صادق لم يسبق أن كذب عليه في شيء أو قصّر في خدمته.
وبين ضحكات ضباط التحقيق العالية على سخافة ما سمعوه، قال له رئيس اللجنة: (زين هذا الجني ما كال لك احنا راح نوقفك على چذبتك هاي؟ على الأقل چان طلعك، موعافك عشرة أيام تخيس بالسجن)…!!
أغلق التحقيق، وقررت اللجنة الإفراج عن نائب الضابط ( المعتوه ) وصرف ( الجن ) مع التوصية بعدم قبول شهادته وبلاغاته بعد الآن، مع ضرورة استخدام ( الحرمل ) في المغربية كل خميس في الوحدات العسكرية الثابتة؟!
( هسه إذا أشمر نفسي من مجسرات محمد شياع السوداني، هم أحد يلومني ) …؟؟!!