واع / العراق بين سيادة الدولة ومعادلات القوة… جدلية حصر السلاح وتنفيذ الأجندة الخارجية/ آراء حرة / غفران القيسي
يقف العراق اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات السياسية والأمنية حساسية، في ظل جدل متصاعد حول ملف حصر السلاح بيد الدولة، وما يرافقه من حديث عن تنظيم أوضاع الفصائل المسلحة ضمن سقوف زمنية وآليات قانونية محددة. ولا تبدو القضية مجرد إجراء أمني أو قرار إداري يتعلق بالسلاح، بقدر ما تمثل اختباراً حقيقياً لمفهوم الدولة وهيبتها وسيادتها واستقلال قرارها الوطني، في وقت تتشابك فيه الأوضاع الداخلية مع صراعات المنطقة وتوازناتها المتغيرة. وبينما يرى فريق أن حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يمثل الطريق الطبيعي لاستكمال بناء الدولة وترسيخ سيادتها، يرى فريق آخر أن معالجة هذا الملف في الظرف الإقليمي الراهن تستوجب قدراً كبيراً من الحذر، خشية أن يتحول إلى مدخل لإضعاف عناصر القوة العراقية أو الاستجابة لضغوط وأجندات خارجية.
ينطلق المؤيدون لحصر السلاح من قاعدة واضحة مفادها أن الدولة لا يمكن أن تكتمل سيادتها مع وجود مراكز متعددة للقوة المسلحة خارج مؤسساتها الرسمية. فالسلاح المنفلت، أياً كانت الجهة التي تحمله، يظل تحدياً لسلطة القانون، ويضعف هيبة القضاء والمؤسسات الأمنية، ويجعل القرار الوطني عرضة للتعدد والتجاذب. كما أن الاستقرار الأمني لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح عاملاً أساسياً في قدرة العراق على بناء اقتصاد مستقر، وجذب الاستثمارات، وتطوير علاقاته الدولية، والانفتاح على شركاء إقليميين ودوليين وفق مصالحه الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن إخضاع السلاح للمرجعية الحكومية لا يعني بالضرورة إلغاء دور من ساهموا في الدفاع عن البلاد، بل يمكن أن يكون إطاراً لإعادة تنظيم هذا الدور قانونياً، وحفظ حقوق المقاتلين وعوائلهم، وصون التضحيات التي قدمت في مراحل مختلفة من تاريخ العراق الحديث، بما يحقق معادلة تجمع بين الوفاء للتضحيات وترسيخ مؤسسات الدولة.
وفي الجهة المقابلة، يطرح المعترضون على عملية حصر السلاح مجموعة من الهواجس التي لا يمكن تجاهلها في قراءة المشهد العراقي. فبالنسبة إليهم، لا يمكن فصل ملف السلاح عن البيئة الإقليمية المضطربة، ولا عن استمرار الصراعات والتوترات التي تحيط بالعراق. ويرى هذا الاتجاه أن بعض القوى المسلحة تشكل، من وجهة نظره، جزءاً من منظومة الردع في مواجهة تهديدات خارجية، وأن نزع قدراتها في توقيت إقليمي حساس قد يؤدي إلى اختلال في موازين القوة ويضعف قدرة العراق على التعامل مع المخاطر المحتملة. ومن هنا يبرز سؤال «الأجندة الخارجية» بوصفه جوهر الاعتراض؛ إذ تخشى بعض الأطراف أن يكون الضغط باتجاه إعادة ترتيب ملف السلاح مرتبطاً بمشاريع إقليمية أو دولية تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في العراق، وليس مجرد رغبة داخلية في استكمال بناء مؤسسات الدولة.
غير أن النقاش الموضوعي حول هذه القضية ينبغي ألا يُختزل في ثنائية «مع السلاح أو ضده»، لأن الإشكالية الأعمق تتعلق بمن يمتلك القرار النهائي في استخدام القوة داخل الدولة العراقية. فرفض السلاح المنفلت لا يعني تجاهل تضحيات القوى التي شاركت في مواجهة الإرهاب، كما أن الاعتراف بهذه التضحيات لا ينبغي أن يؤدي إلى استمرار تعدد مراكز القرار العسكري والأمني. وبين هذين الموقفين، تبرز الحاجة إلى مقاربة وطنية أكثر توازناً تقوم على الانتقال من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى مرحلة تنظيم القوة تحت مظلة الدولة، مع توفير ضمانات قانونية واضحة لمن ساهم في الدفاع عن البلاد، ووضع آليات مدروسة لإعادة تنظيم أوضاع المقاتلين وفق الدستور والقوانين النافذة.
إن جوهر المسألة لا يتعلق بالسلاح وحده، وإنما بالسيادة العراقية ذاتها. فإذا كان الهدف من حصر السلاح هو إنهاء مظاهر الانفلات، وتعزيز سلطة القانون، وتوحيد القرار الأمني والعسكري، فإن ذلك يمثل مطلباً وطنياً يرتبط مباشرة ببناء الدولة. أما إذا شعر العراقيون بأن الملف يُدار بإملاءات خارجية أو يُستخدم لإضعاف طرف سياسي أو أمني بعينه، فإن المعالجة ستفقد جزءاً من مشروعيتها الوطنية، وقد تتحول من خطوة باتجاه تعزيز الدولة إلى سبب جديد للاستقطاب والانقسام.
ولهذا فإن نجاح العراق في إدارة هذا الملف لا يتوقف على إصدار القرارات، وإنما على الطريقة التي تُتخذ بها هذه القرارات والجهة التي تقف وراءها والضمانات التي ترافق تنفيذها. فالدولة القوية ليست الدولة التي تحتكر السلاح فحسب، بل الدولة التي تحتكر قرار الحرب والسلم، وتفرض القانون على الجميع دون استثناء، وتحمي مواطنيها، وتصون حقوق من دافعوا عنها، وفي الوقت ذاته تمنع استخدام أراضيها أو مؤسساتها ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام العراق هو القدرة على تحقيق هذه المعادلة الدقيقة: دولة تمتلك وحدها قرار القوة، من دون أن تُفرّط بمصالحها الأمنية؛ وسيادة تحمي القرار الوطني، من دون أن تتحول إلى عزلة؛ وقوة وطنية منظمة، من دون أن تتحول إلى مراكز نفوذ تتجاوز الدولة. وبين حصر السلاح والهواجس المرتبطة بالأجندات الخارجية، فإن المعيار الحاسم ينبغي أن يكون واحداً: أن يكون القرار عراقياً، والهدف عراقياً، والمصلحة عراقية، وأن تكون الدولة هي الإطار الجامع لكل عناصر القوة الوطنية.


