واع / عمارة “ادفيش عبود” عنوان بارز للمعمار العراقي / تقرير
واع / بغداد/ خالد النجار
بالرغم من تجوالي الكثير في شارع الرشيد من بدايته حتى نهايته ، الا ان ذلك لايعني بالامكان ان ترى وتلاحظ كل تفصيلة فيه!؟ ، كونه من اعظم شوارع العاصمة الحبيبة بغداد ومايخزنه تاريخه من امجاد ومن معالم حضارية وتراثية لايمكن احصائها بدقة ! ومنذ العام المنصرم كتبت هذا الموضوع عن شارع الرشيد وتحديدا في بداية الشورجة حيث تتصدر احد زوايا مدخل الشورجة عمارة دائرية جميلة ملفتة للنظر ورائعه في تصميمها في الستينات ،انها ( عمارة او بناية ادفيش عبود ) بوابة الشورجة ولم يتسنى لي نشرها في العام 2024 حيث وجدت من المناسب ان ننشره اليوم ، كونه من المعالم البغدادية والعراقية المتميزة التي تفتخر بها العاصمة بغداد ، وكما هو معروف فان دول العالم كلها تتفاخربعواصمها وبشوارعها ومعالمها البارزة ، وكذلك نحن العراقيين ايضا نتفاخر بمدننا وشوارعنا ومنها شارع الرشيد ومعالمه العديدة المتميزة..
لابد ان نشير الى اهمية المعمار العراقي انذاك ! كان لهم وقعهم البارز في كل التفاصيل حيث اقيمت ندوة هامة في لندن حينها حول المعمارالعراقي في الخمسينات وشارك في تلك الندوة عدد من الباحثين والمهتمين بالبناء والمعار العالمي ، وكان المتحدثون في الندوة من جامعة كاليفورنيا في أميركا وتناولوا الحداثة المعمارية انذاك في العراق،كما تناول محاظروا جامعة مانجستر أيضاعن التغييرات الهائلة للعمارة الهندسية في خطط بغداد وللتصميمات الاساسية. واشروا معها عن الحداثة في المدن خاصة في موزمبيق وغرب باكستان. وتم تخصيص قسما من الندوة حول التداخل والمزاوجة والتعشق بين الفن والبناء المعماري الهندسي العراقي في اوجهها في دول العراق والمغرب والهند، وكانت مداخلة العراق عن طريق امين الساده وهو باحث معماري مستقل والذي أفاض في امتداد دور رفعت الجادرجي كمهندس المعمار و فنان مبدع في إشاعة الحداثة في البناء في العاصمة العراقية بغداد
ونعود لموضوعنا عن ( عمارة ادفيش عبود الدائرية) وسط شارع الرشيد ،حيث تعتبرمن اول البنايات التي تميزت بحداثتها في بغداد .. والتي تقع عند مدخل الشورجة ، قريبا من المدرسة المرجانية والتي تعرف بجامع مرجان الان ..وقد تم تصميم المبنى من قبل المعمار الشهير (عبد الله احسان كامل استاذ العمارة بجامعة بغداد بالاشتراك مع رفعت الجادرجي) ولحساب عائلة مسيحية هي عائلة ( السيد لطيف عبود صاحب شركة لطيف طبارة للسكائر)! في منطقة (العبخانة) الحالية وكانت تنتج سجائرغازي في الاربعينات.!!. وبدأ البناء بالعمارة (عام 1955 ) وكان يعتبرحينها من المباني غير المألوفة في بغداد بالنظر لشكلها الاسطواني ولونها الابيض الناصع ..اضافة الى الاختلاف الغير مسبوق بين الشكل العلوي الاسطواني للمبنى ..
كما ان قاعدة المبنى المكعبة الشكل حيث يشمل كل طابق من القسم الاسطواني وجود أربع شقق مكتبيه مع خدماتها. كل شقتين من الشقق الاربع تتشابه في المساحة.ومن حيث الشكل الدائري الاسطواني وأسلوب توزيع الشقق جعلها تتميز باطلالات متنوعة لكل شقة ، ورغم ان هناك انتقادات كثيرة وجهت للمصمم لابتعاده عن الموروث البغدادي العراقي في البناء ومنها عدم استخدام الاقواس الا انه اختار الشكل الاسطواني ليتلائم مع شكل مأذنة جامع مرجان وقبابه التي تقع مقابله ؟ .. وللحديث عن قصة هذه البناية في بداية الستينات وبعد وفاة لطيف عبود وابنه قامت وريثته الوحيدة (السيدة ادفيش عبود) قبل رحيلها الى لندن ببيع العمارة الدائرية الى (الحاج هاشم احمد البهبهاني ) والذي قام ببيعها بعد مدة الى( الحاج ابراهيم يوسف سعد ) واولاده وذلك عند قيامه بشراء عمارة العطور الشهيرة في الشورجة والمسماة عمارة البهبهاني (القادسية حاليا )!
والحديث عن عمارة ادفيش مستمرحيث اصبحت العمارة حديث المدينة والناس ايضا ! لحقائق عدة، لأنها من ست طوابق الامر الذي اثار مخاوف البغداديين واستغرابهم. ذلك لان عيونهم الفت عمارات شارع الرشيد ذات ( الثلاث او الاربع طوابق )؟!لا اكثر لذلك اعتبروا هذه العمارة غريبة على نظيراتها في شارعهم الاثير شارع الرشيد. السبب الاخر لمخاوفهم أن تصميم العمارة غريب جدا خرج على كل سياقات بناء العمارات المألوفة في بغداد لا بل بالعراق ومنطقة الشرق الاوسط ككل. وكان تصميمها وبناءها وهندستها متقدما على نظيراتها في فترة الخمسينات. لكل ذلك عد المختصون هيكلها الغريب في وقته ثورة في عالم التصميم و الهندسة والتنفيذ، واصبح النموذج مادة يتم تدريسها أكاديميا بكليات الهندسة في العراق والعالم..
كما تشير الوقائع الى ان اختيار المصمم للشكل الدائري الاسطواني، كما يذكر المختصون بهندسة العمارة ،جاء حتى يلائم ويتناسب مع شكل منارة وقباب جامع مرجان المقابل من موقع العمارة وهذا كله يضاعف من جماليتها..ويضاف اليها ( لون العمارة الابيض) قد اعطاها بعدا فنيا كبيرا لجماليتها، ووضع حدا للنمط السائد في بناء العمارة في شارع الرشيد بألوانها الداكنة الكلاسيكية القديمة. حيث كانت العمارة البيضاء ترى بالعين المجردة من اماكن بعيدة عن موقعها في منطقة الشورجة وسط شارع الرشيد
.كما استفاد المصمم من انحراف شارع الرشيد يمينا من منطقة بناء العمارة للمحافظة على جامع مرجان حسب اصرار (المس بيل المستشارة السياسية للمندوب السامي الانكليزي)!! آنذاك وصانعة الملوك أو خاتونة بغداد كما يحلو لها ان ينادوها الاخرون . وحقيقة الأمر ان شارع الرشيد ليس على استقامة واحدة والتي استمرعليها من سوق هرج ومقهى الزهاوي ولغاية منطقة الشورجة حيث العمارة ليحيد الشارع يمينا. اقول ان المصمم استثمر هذا الانحناء لأنه ساهم في بروز العمارة عن مسار الشارع كأن العمارة لوحدها في صف طويل خلفها وأمامها من الواجهات المسطحة من العمارات ولأنها مدورة فإنها تبرز تلقائيا وجماليا من أماكن بعيدة عن الموقع.
واخيرا لابد ان نوضح ان لشارع الرشيد انحناءات عدة لتفادي ازالة الجوامع( كجامع الأحمدي و المدرسة المأمونية مدرسة الملوك وموقع مدفع طوب ابو خزامة في منطقة الميدان قبل سوق هرج حيث انحرف الشارع يسارا ثم يمينا ليأخذ استقامته بعد ذلك من منطقة سوق هرج المجاور) وحتى منطقة الشورجة حيث موقع العمارة المدورة في الشورجة لينحرف يمينا لتفادي تدمير جامع أجزاء من جامع مرجان. وبقى مستقيما حتى جامع السيد سلطان علي في منطقة المربعة ، وهنا لتفادي اقتطاع أجزاء من جامع سيد سلطان علي ,غير الشارع مساره ليتحول يسارا ويستمر باستقامة حتى محلات جقماقجي نهاية شارع الرشيد.



