واع / المراهقة الثانية… حقيقة علمية…ام وهم من سراب؟/ اراء حرة / بقلم: د. خليفة الشرقي
ليس العمر مجرد رقمٍ يمرّ على الجسد
بل هو طبقاتٌ من التجربة تتراكم في الداخل حتى تُعيد تشكيل الإنسان من حيث لا يشعر…
في سن الأربعين تقريبًا عند بعض النساء تظهر تحوّلات نفسية وعاطفية تُفسَّر أحيانًا على أنها انقلاب أو تغيّر جذري
لكنها في جوهرها ليست انهيارًا للبنية السابقة
بل إعادة قراءة لها من داخل خبرة طويلة مع الحياة…
إنها لحظة يقظة داخلية
تبدأ فيها المرأة بمراجعة ما مضى
ليس رفضًا للماضي بالضرورة
بل محاولة لفهمه من زاوية أكثر نضجًا ووضوحًا…
هنا تظهر فكرة يمكن تسميتها مجازًا بـ “المراهقة الثانية”
لا بمعنى عودة إلى عدم النضج
بل بمعنى عودة الأسئلة العاطفية الكبرى إلى الواجهة بعد أن كانت مطمورة تحت ثقل المسؤوليات…
في المراهقة الأولى يكون الإنسان في طور التشكّل
تتحرك العاطفة بسرعة
ويتقدم الشعور على الخبرة
ويكون العالم واسعًا وغامضًا في آنٍ واحد…
أما في منتصف العمر فالصورة مختلفة تمامًا
الخبرة موجودة
والذاكرة ممتلئة
والقرارات السابقة قد اتخذت شكل حياة كاملة…
ومع ذلك قد تعود الأسئلة القديمة بشكل جديد
من أنا
ماذا أردت فعلًا
وهل ما عشته كان اختياري الكامل أم نتيجة ظروف…
هذا التحول لا يمكن تفسيره بالعوامل البيولوجية وحدها
فهي موجودة لكنها ليست الحاكم الوحيد
كما لا يمكن اختزاله في العاطفة وحدها
لأن العاطفة هنا ليست اندفاعًا بل وعيٌ يعيد ترتيب نفسه…
إنها منطقة التقاء بين ثلاثة مستويات
الجسد الذي يتغير بهدوء
والنفس التي تراجع تاريخها
والحياة الاجتماعية التي تتبدل أدوارها ومسؤولياتها…
ومن هذا التداخل يولد شعور داخلي جديد
شعور بالرغبة في إعادة تعريف الذات
لا من الصفر
بل من خبرة ممتدة…
وقد يصل هذا التحول عند بعض الأفراد إلى شيء من الاضطراب العاطفي
لكن ذلك يظل حالات فردية تتداخل فيها الضغوط النفسية مع التحولات الحياتية…
عندها قد يظهر شعور بالحاجة إلى استعادة التوازن العاطفي من جديد
وقد يُترجم أحيانًا إلى البحث عن علاقة مختلفة أو تجربة عاطفية جديدة تمنح شعورًا بالقيمة والاعتراف والدفء…
لكن هذا لا يكون بالضرورة رفضًا للماضي
بل محاولة لتعويض نقص شعوري أو إعادة ترميم الثقة بالذات بعد سنوات من المسؤوليات…
وفي بعض الحالات قد تميل النفس إلى قراءة التجربة السابقة بحدة أكبر مما تحتمل
فتبدو وكأنها تريد إلغاء الماضي
بينما هي في الحقيقة تحاول التحرر من أثره لا من وجوده…
وهنا تكمن الخطورة حين يُفهم التحول على أنه قطيعة كاملة
بينما هو في جوهره صراع بين ذاكرة ممتدة ورغبة جديدة في إعادة تعريف الذات…
ولا يقتصر هذا التحول على النساء وحدهن
بل قد يظهر عند بعض الرجال بصور مختلفة دون قاعدة ثابتة في التوقيت أو الشدة…
حيث تبدأ مرحلة من إعادة تقييم الحياة بشكل شامل
المسار المهني
العلاقات
المعنى الشخصي
وصورة الذات…
وقد يظهر لدى بعضهم ميل إلى استعادة شعور الشباب عبر تغييرات في نمط الحياة أو تجارب جديدة
لكن ذلك يظل استجابة فردية تتأثر بالاستقرار النفسي والاجتماعي والخبرة الشخصية…
وفي السياق الاجتماعي والديني فإن تنظيم العلاقات الأسرية لا يُبنى على هذه التحولات الفردية
بل على منظومة من القيم والضوابط التي تقوم على المسؤولية والاستقرار والعدل…
وبذلك يبقى الفرق واضحًا بين التحول النفسي الفردي
وبين التشريع الذي ينظم العلاقات ضمن إطار أوسع من القيم لا يُختزل في لحظة شعورية…
وقد تتبدل في هذه المرحلة أنماط التعبير العاطفي
وتصبح الحاجة إلى التقدير والاحتواء أكثر حضورًا
لا بوصفها ضعفًا بل بوصفها بحثًا عن توازن داخلي أكثر صدقًا ووضوحًا…
فما يبدو للبعض “تغيّرًا مفاجئًا” قد يكون في حقيقته إعادة ترتيب بطيئة لشخصية تراكمت فيها الخبرات والصمت والمسؤوليات…
لذلك يمكن القول إن ما يسمى “المراهقة الثانية” ليس عودة إلى البداية
بل هو لحظة يتقاطع فيها الماضي مع الحاضر
فتبدأ الذات بإعادة صياغة صورتها عن نفسها…
إنها ليست رجوعًا إلى الطفولة العاطفية
بل عودة الوعي إلى أسئلته الأولى لكن بعينٍ خبرت الطريق كله…
وهكذا
لا يكون التغيير في منتصف العمر انهيارًا
بل إعادة ترتيب للداخل الإنساني على ضوء ما تراكم من التجربة
حتى يصبح الإنسان أكثر صدقًا مع نفسه لا أكثر تشابهًا مع نسخته القديمة…
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال مفهوم مهم في العلاقات الإنسانية
وهو حبّ العِشرة
حبّ العِشرة ليس ذلك الوهج الأول الذي يسبق الارتباط
ولا هو الدهشة الأولى التي تصاحب البدايات…
بل هو حبّ يتكوّن ببطء
ويترسخ عبر الزمن
ويُختبر في تفاصيل الحياة اليومية لا في لحظات الانبهار…
هو الحب الذي ينتقل من الرومانسية المتوهجة
إلى الطمأنينة الهادئة
ومن الانجذاب العاطفي السريع
إلى ألفةٍ عميقة تقوم على المشاركة والتجربة والذاكرة المشتركة…
في حبّ العِشرة لا تختفي المشاعر
لكنها تنضج
فتتحول من الانفعال إلى الاستقرار
ومن الدهشة إلى السكينة…
وقد لا يكون هذا النوع من الحب صاخبًا أو ملفتًا
لكنه الأكثر قدرة على الاستمرار
لأنه لا يعتمد على لحظة شعورية عابرة
بل على تراكم الحياة بين شخصين…
فمن الممكن ان تكون خلافات بين الزوجين لكن هذا لا يلغي حب العشرة… فغياب احد الزوجين يثير قلق الاخر بالغياب…
وهكذا
قد لا يكون الحب الرومانسي هو الذي يدوم دائمًا
لكن حبّ العِشرة هو الذي يمنح العلاقة شكلها الأعمق
ومعناها الأكثر ثباتًا…
إنه الحب الذي لا يعد بالدهشة كل يوم
لكنه يمنح شيئًا أثمن
الاستمرار… والسكينة… والشعور بأن الطريق يُسار معًا…


