واع / الجنسُ والمالُ… بين الدينِ والفلسفةِ ومصيرِ الأوطان/ آراء حرة / بقلم: د . خليفة الشرقي

ليستِ الأوطانُ جدرانًا وحدودًا وجيوشًا فقط…
بل هي منظومةٌ أخلاقيةٌ وروحيةٌ تحفظُ توازنَ المجتمعِ واستمرارَه…
وحين ينهارُ الضميرُ الجمعيُّ تبدأُ الأممُ بالسقوطِ ولو امتلكت أقوى الأسلحة وأضخم الثروات…
ومنذُ بدايةِ التاريخِ والإنسانُ يعيشُ صراعًا داخليًا بين الروحِ والغريزة…
بين القيمِ والشهوات…
بين ما يرفعُه إلى مقامِ الإنسانية…
وما يشدُّه إلى مستنقعِ الطمعِ والاندفاع…
ولذلك لم يعتبرِ الدينُ المالَ والجنسَ شرًّا في ذاتِهما…
بل اعتبرهما امتحانًا عظيمًا يكشفُ حقيقةَ النفس…
فالمالُ قد يكونُ طريقًا إلى الرحمةِ حين يتحولُ إلى عطاء…
وقد يكونُ طريقًا إلى الهلاكِ حين يتحولُ إلى جشعٍ واستعباد…
وكذلك الغريزةُ…
فهي سرُّ استمرارِ الحياةِ وبناءِ الأسرة…
لكنها حين تنفصلُ عن الأخلاقِ تتحولُ إلى قوةِ تدميرٍ نفسيٍّ واجتماعي…
فالمالُ حين يتحولُ من وسيلةٍ للعيشِ الكريم إلى إلهٍ يُعبد…
يفقدُ الإنسانُ إنسانيتَه…
فتنتشرُ الرشوةُ والسرقةُ والاحتكارُ والخيانةُ وبيعُ الضمائر…
ويصبحُ الوطنُ سوقًا للمصالح لا بيتًا للقيم…
عندها تُشترى المواقف…
وتُباعُ المبادئ…
ويصيرُ الإنسانُ مستعدًا أن يهدمَ وطنَه من أجلِ منفعةٍ صغيرة…
وكثيرٌ من الدولِ لم تسقطْ بسببِ الحروبِ الخارجية…
بل سقطتْ عندما انتصرَ الجشعُ داخلها…
فالأوطانُ لا تُهزمُ أولًا بالسلاح…
بل تُهزمُ عندما يتحولُ المسؤولُ إلى تاجر…
والمثقفُ إلى بائعِ كلمات…
والقاضي إلى عبدٍ للمال…
أما الجنسُ حين ينفصلُ عن الأخلاقِ والقداسةِ الإنسانية…
فإنه يتحولُ إلى قوةِ تفكيكٍ خفية…
تبدأُ بضربِ الأسرة…
ثم تهدمُ الثقةَ الاجتماعية…
ثم تُفسدُ الأجيال…
فالمجتمعُ الذي تتحولُ فيه المرأةُ إلى سلعة…
والرجلُ إلى كائنٍ تحكمه الغريزة…
يفقدُ تدريجيًا عمقَه الروحيَّ والإنساني…
وتصبحُ العلاقاتُ مؤقتة…
والمشاعرُ هشة…
والوفاءُ نادرًا…
ولهذا كانت الحضاراتُ المنهارةُ في أواخرِ أيامها تعيشُ غالبًا حالةَ ترفٍ ماليٍّ وانفلاتٍ شهواني…
فتكثرُ الملذات…
ويضعفُ الإحساسُ بالمسؤولية…
وتنطفئُ روحُ التضحية…
وحين يموتُ الضميرُ داخلَ الإنسان…
تبدأُ النهايةُ ولو تأخرت…
والفلسفةُ أيضًا أدركتْ هذا الصراع…
فكثيرٌ من الفلاسفةِ رأوا أنَّ الإنسانَ لا يسقطُ بسببِ الفقرِ فقط…
بل يسقطُ حين يفقدُ السيطرةَ على رغباته…
فالحريةُ الحقيقيةُ ليست أن يفعلَ الإنسانُ كلَّ ما يشتهي…
بل أن يمتلكَ القدرةَ على تهذيبِ شهواته…
ولهذا قال بعضُ الحكماءِ إنَّ أعظمَ انتصارٍ ليسَ هزيمةَ الآخرين…
بل هزيمةُ النفسِ حين تطغى…
فالإنسانُ قد يمتلكُ العالمَ كلَّه…
لكنه يبقى ضعيفًا إذا كان عبدًا لشهوةٍ أو مال…
وفي الرؤيةِ الدينية…
نجدُ أنَّ كثيرًا من الانحرافاتِ الكبرى بدأتْ من هذين البابين…
فالطمعُ أشعلَ الحروب…
والشهوةُ هدمتِ الأسرَ والمجتمعات…
ولهذا كان تهذيبُ النفسِ أساسَ بناءِ الحضارات…
وقد ضربَ القرآنُ أمثلةً عميقةً تؤكدُ أنَّ القربَ من الصالحين لا ينفعُ إذا فسدَ القلب…
فقد كانت امرأةُ نوح زوجةً لنبيٍّ كريم…
ومع ذلك لم تنجُ بسببِ تكذيبِها وخيانتها للرسالة…
وكذلك امرأةُ لوط التي وقفتْ مع فسادِ قومِها ضدَّ زوجِها النبي…
وهنا تتجلّى الحقيقةُ الكبرى…
أنَّ الإنسانَ لا يُقاسُ بمكانتهِ الاجتماعية…
ولا بقربِه من أهلِ الصلاح…
بل بما يحملُه في داخله من إيمانٍ وضمير…
وفي المقابلِ خلدَ القرآنُ صورةَ امرأةِ فرعون المؤمنة…
التي عاشتْ تحتَ سلطانِ طاغية…
لكنها حافظتْ على نورِ روحها…
وكأنَّ الرسالةَ تقولُ إنَّ النجاةَ مسؤوليةٌ فردية…
وأنَّ الإنسانَ قد يعيشُ وسطَ الظلام…
ثم يختارُ النور…
والتاريخُ أيضًا مليءٌ بأمثلةِ حضاراتٍ بدأتْ قوية…
ثم تسلّلَ إليها فسادُ المالِ والشهواتِ حتى انهارتْ من الداخل …
فالإمبراطورية الرومانية الغربية لم تسقطْ بالسيفِ وحده…
بل سبقَ سقوطَها ترفٌ هائل…
وفسادٌ مالي…
وصراعاتٌ على السلطة…
وانشغالُ الطبقاتِ الحاكمةِ بالملذاتِ أكثرَ من انشغالها بمصيرِ الدولة…
حتى ضعفتْ روحُ الانتماءِ والتضحية…
وكذلك بعضُ ملوكِ الأندلسِ في أواخرِ عهدِ سقوط الأندلس…
حين تحولتِ القصورُ إلى ساحاتِ ترفٍ وصراعٍ داخلي…
بينما كانتِ الدولةُ تتفككُ سياسيًا وعسكريًا…
فلم يكنِ السقوطُ العسكريُّ مفاجئًا…
بل كان نتيجةَ انهيارٍ طويلٍ من الداخل…
وفي التاريخِ الإسلاميِّ أيضًا ظهرتْ فتراتٌ ضعفَ فيها بعضُ الحكامِ بسببِ الترفِ وجمعِ الأموال…
حتى فقدتِ الدولةُ هيبتَها…
لأنَّ الأمةَ حين ترى الظلمَ والفسادَ الماليَّ يتغلغلُ في السلطة…
يضعفُ فيها الشعورُ بالعدلِ والانتماءِ…
كما أنَّ كثيرًا من الثوراتِ عبر التاريخ…
بدأتْ بشعاراتِ الحريةِ والعدالة…
ثم سقطتْ لاحقًا عندما تحوّلَ قادتها إلى أسرى للسلطةِ والمال…
فالمشكلةُ ليست في الشعار…
بل في النفسِ البشريةِ حين لا تضبطُها القيم…
ولهذا قال بعضُ المؤرخين إنَّ الحضاراتِ تموتُ أخلاقيًا قبل أن تموتَ عسكريًا…
فالسقوطُ الحقيقيُّ يبدأُ عندما يصبحُ الفسادُ أمرًا عاديًا…
والخيانةُ ذكاءً…
والشهوةُ حريةً بلا حدود…
والمالُ معيارَ القيمةِ الوحيدةِ للإنسان…
وما أكثرَ الناسَ الذين دخلوا السجونَ بسببِ المال…
وما أكثرَ الذين احترقتْ أرواحُهم بسببِ الشهوة…
فالمالُ حين يفقدُ الإنسانُ أخلاقَه يتحولُ إلى لعنة…
فيبدأُ الطمعُ صغيرًا…
ثم يكبرُ حتى يدفعَ صاحبَه إلى الرشوةِ والسرقةِ والاحتيالِ والخيانة…
وعندها لا يعودُ المالُ نعمةً…
بل قيدًا يجرُّ الإنسانَ إلى المحاكمِ والسجونِ وذلِّ الدنيا…
وكذلك الشهوةُ حين تنفصلُ عن الضميرِ والدين…
فإنها تعمي البصيرة…
وتدفعُ بعضَ الناسِ إلى تدميرِ أسرهم…
وخيانةِ عهودهم…
وارتكابِ المعاصي والجرائم…
فيتحولُ الإنسانُ من مخلوقٍ كريمٍ إلى أسيرِ رغبةٍ عابرة…
ومن رحمةِ اللهِ أنَّه لم يُحرِّمِ المالَ ولا الغريزة…
بل وضعَ لهما ميزانًا يحفظُ كرامةَ الإنسان…
فالمالُ الحلالُ قد يكونُ بابًا للخيرِ والصدقةِ وبناءِ الأوطان…
والزواجُ الطاهرُ قد يكونُ سكينةً ورحمةً واستقرارًا للنفس…
لكنَّ المشكلةَ تبدأُ حين يتحولُ الإنسانُ إلى عبدٍ لرغباته…
فالعبدُ الحقيقيُّ ليسَ من قُيِّدتْ يداه…
بل من قُيِّدَ قلبُه بالشهوةِ والطمع…
إنَّ الدينَ لا يحاربُ الحياة…
والفلسفةُ الحقيقيةُ لا تحاربُ الجسد…
لكنَّ كليهما يحذِّرانِ من تحوّلِ الإنسانِ إلى عبدٍ لما يملكُ أو لما يشتهي…
فالإنسانُ العظيمُ ليسَ من جمعَ أكثر…
ولا من استهلكَ أكثر…
بل من استطاعَ أن يبقى إنسانًا…
وسطَ إغراءاتِ المالِ والجسد…
ولهذا فإنَّ بناءَ الأوطانِ لا يكونُ بالإسمنتِ وحده…
بل ببناءِ الإنسان…
إنسانٍ يعرفُ أن المالَ أمانة…
وأن الجسدَ مسؤولية…
وأن الحريةَ لا تعني الانهيارَ الأخلاقي…
وأن الحضارةَ الحقيقيةَ تبدأُ من تهذيبِ النفس…
فكم من وطنٍ فقيرٍ بقي شامخًا بأخلاقِ أهله…
وكم من إمبراطوريةٍ غنيةٍ سقطتْ لأنَّ شهوةَ المالِ والجسدِ التهمتْ روحَها من الداخل