واع / فيثاغورس ومعايير المشجعين العقلاء في المونديال/ آراء حرة/  بقلم: زانيار قادر – ماجستير في الفلسفة

كـلمة “فلسفة” هي لفظة إغريقية مركبة تعني حرفياً “محبة الحكمة”، وبناءً على هذا الاشتقاق، فإن “الفيلسوف” هو ذاك الإنسان المحب للحكمة والباحث عنها. ويرى ثُلّة من الباحثين والمتخصصين في هذا الحقل المعرفي أن فيثاغورس كان أول من نحت هذا المصطلح واستخدمه؛ إذ كان يطلقه آنذاك لوصف أولئك الذين أدركوا المعنى الحقيقي للحياة، واستخلصوا المتعة واللذة الكامنة في ذلك الإدراك العميق.

لقد شبّه فيثاغورس هؤلاء الحكماء بأولئك الناس الذين يقصدون الملاعب ليكونوا مشاهدين وممتعين بالمنافسات الأولمبية. ولكن، ما يطرح نفسه كسؤال ملحٍّ اليوم هو: هل كل من يرتاد الملاعب، أو يتحول—مثلنا—عن بعدٍ وبشكل افتراضي إلى مشجع متعصب لهذا النادي أو ذاك المنتخب، يغدو في نظر فيثاغورس نموذجاً للإنسان الواعي ويُحسب في عداد الفلاسفة؟! وهل يكفينا اليوم ونحن في غمرة بطولة كأس العالم، أن نتعلّق بأهداب هذا المنتخب أو ذاك تحت مسمى “التشجيع”، لكي ندعي الحكمة ونرتدي مسوح الفلاسفة، ونزعم بأننا نمثل الكائن العاقل والرشيد في المجتمع؟!

علماً بأن هذه الأندية والمنتخبات قد لا تعنينا في شيء، بل وربما لا نعرف أين تقع جغرافيتها أو أوطانها على خارطة العالم! ومع ذلك، وبتأثير من دافع سيكولوجي مشحون بالانفعال والتوتر—يشبه تماماً تلك الأدلجة التي نمارس بها السياسة—نندفع باندفاع أعمى للدفاع عن إخفاقات منتخباتنا المفضلة، ونرفض بصلف الاعتراف بنقاط ضعفها. وفي المقابل، حين ينتصرون، نبالغ في ردود أفعالنا إلى حدٍّ يفوق ما يفعله مواطنو تلك الدول ومشجعوها الأصليون؛ فهم يستغرقون في بهجتهم واحتفالاتهم بمتعة ورقي، بينما نتحول نحن —بدلاً من ترسيخ الثقافة الرياضية ونشر قيم التسامح— إلى صراخ وضجيج، ونقذف الخصوم بالهمز واللمز والتهكم، جاعلين من إثارة الغيظ، والاستفزاز، وإنتاج الأحقاد ضد أبناء مدينتنا (الذين يشجعون الفريق المنافس) ديدناً وشغلاً شاغلاً لإيذائهم ونكء مشاعرهم! تُرى، أهذه هي معايير الفيلسوف عند فيثاغورس؟!

بالتأكيد لا؛ بل على النقيض من ذلك تماماً. يرى فيثاغورس أن الناس الذين يؤمّون الملاعب ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: صنف يقصدها طمعاً في جني المال والمكاسب المادية، وصنف يلهث وراء الشهرة والأضواء. وهناك—بالتأكيد—فئة ثالثة لم يقدها إلى هناك مال ولا جاه، (ولا حتى توزيع الأحقاد وبث الضغائن كما هو رائج لدينا)، بل قادهم إليها شغف واحد: التماس المتعة الخالصة والفرجة المجردة. من هنا، يرى فيثاغورس أن البشر الذين يتعاملون مع الوجود طوال حياتهم بمنطق مشجعي هذا الصنف الثالث، وينذرون أعمارهم للبحث عن المتعة الحقيقية، هم الفلاسفة حقاً.

ولكن، ما طبيعة هذه المتعة التي جعلها فيثاغورس معياراً لمرتبة الفيلسوف؟ إن من الأهمية بمكان أن ندرك أولاً أن المتع تتباين وتتعدد؛ وإذا ما استأنسنا برؤية أرسطو وفلسفته، فإن تلك المتع المادية والزمنية المؤقتة التي تذوي وتبهت بمرور الوقت هي “متع زائفة وخادعة”. وفي المقابل، فإن الوصول إلى المعرفة والعلم—لكونه يمنح الإنسان لذة سرمدية لا تنقطع على مدار العمر—هو المشخص الوحيد الذي يُعَدُّ كـ “لذة حقيقية”. ومن هذا المنطلق، يغدو العلم، والمعرفة، والمتعة الحقيقية، وجهين لعملة واحدة تشكل هوية أولئك الذين يُسمون في المنظور الفيثاغورسي “فلاسفة”.

وتأسيساً على هذا المعيار الفلسفي، فإننا نحن—وكل الذين تحوّلنا اليوم إلى مشجعين لشغف المونديال—إذا ما مَلكنا من الرشد والحصافة ما يُمكّننا، في غمرة مشاهدتنا لكل مباراة، وبدلاً من الانفعال والغضب والكمد تجاه المنتخب المنافس، أن نتملّى بالحرکات الرشيقة والفنون الجمالية للاعبي كِلا المنتخبين ونُثمنها؛ لنَمحو بذلك جهلنا المتمثل في العناد والمكابرة والإنكار لقدرات الخصوم، ونستنبتَ مكانه معرفةً جديدة ورؤيةً منفتحة خارج أطر أحكامنا المسبقة الضيقة.

وإذا ما استطعنا، على الضفة الأخرى، أن نبدل جهالة ذواتنا الكامنة في الأحقاد، وإحَن القلوب، وضغائن النفوس، بقيم الحب، والتسامح، وقبول الآخر… فإننا حتماً سنتذوق من سِقاء هذه المعرفة طعم اللذة الحقيقية. وعبر بوابة هذه اللذة بالذات، سنرتقي إلى مصافّ أولئك الذين يحملون الهوية الأصيلة للمشاهدين والمشجعين العقلاء للمونديال، وبذلك وحده، نندرج في منظور فيثاغورس ضمن ركاب أولئك الذين يتذوقون لذة الأحداث كالفلاسفة.