واع / سيكولوجيا الجاذبية…حين يكون الحضور أبلغ من الشكل، والروح أعمق من الملامح/ آراء حرة / بقلم: رنا يوسف عجيب

في عالمٍ يركض خلف الصورة ويمنح المظهر مساحةً واسعةً من اهتمامه تبدو الجاذبية للوهلة الأولى وكأنها مسألةٌ تتعلق بالوجه الجميل والجسد المتناسق والأناقة الباهظة
لكننا نعرف جميعاً أن الأمر ليس بهذه البساطة..
فكم من وجهٍ جميلٍ مررنا به دون أن يترك فينا أثراً ، وكم من شخصٍ لم يكن الأجمل في المكان لكنه امتلك حضوراً جعلنا نلتفت إليه ونرغب في الاستماع إليه ثم نتذكره بعد أن يغادر

ما الذي يجعل إنساناً ما جذاباً ؟
ربما لا تكمن الإجابة في ملامحه بل في (الشعور الذي يتركه حضوره فينا)
فنحن لا ننجذب دائماً إلى الشخص نفسه بقدر ما ننجذب إلى الحالة التي نشعر بها ونحن بقربه
ولهذا قد يبدأ الإعجاب من العين لكنه لا يستمر بها وحدها

لأن الجاذبية تبدأ قبل أن نعرف لماذا
فعندما نلتقي شخصاً للمرة الأولى يبدأ العقل في تكوين انطباعٍ سريعٍ عنه نلتقط نبرة صوته ونظراته، ولغة جسده وطريقة تعامله معنا ثم نحاول بوعيٍ أو دون وعي أن نجيب عن أسئلة بسيطة:
هل يبدو واثقاً ؟
هل أشعر بالراحة معه؟
هل يمكنني الاقتراب منه؟
هل يبدو صادقًا وآمناً ؟
ولهذا فإن الجاذبية ليست ظاهرةً بصريةً فقط بل تجربةٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ تتداخل فيها الملامح والانطباعات ولغة الجسد وطريقة التفاعل
قد يكون المظهر هو ما يلفت انتباهنا أولاً وهو ما يرتبط بما يعرف في علم النفس بـ( تأثير الهالة ) إذ قد يجعلنا جمال الشخص أو أناقته نمنحه صفاتٍ إيجابيةً أخرى دون دليلٍ كافٍ
لكن الانطباع الأول ليس حقيقةً نهائية
فمع الوقت تبدأ الشخصية في كشف نفسها وعندها قد يسقط تأثير المظهر أو قد يتحول إلى إعجابٍ حقيقي
فالجمال قد يلفت الانتباه…
لكن الحضور هو الذي يبني العلاقة ويجذب الآخرين
لكن ما الذي يجعل الحضور جذاباً ؟
الحضور الحقيقي لا يعني أن تكون الأكثر كلاماً أو الأعلى صوتاً بل أن تكون حاضراً فعلاً عندما تكون مع الآخرين
أن تستمع دون أن يكون عقلك في مكانٍ آخر،
أن تنظر إلى من يحدثك وكأنك تمنحه لحظتك كاملة
أن تعرف متى تتحدث ومتى تصمت ومتى تمزح ومتى تكون جاداً ،
هنا يلتقي الحضور بالذكاء العاطفي فالإنسان الذي يفهم مشاعره ويستطيع قراءة مشاعر الآخرين ويعرف كيف يتعامل معها بوعي يمتلك نوعاً من الجاذبية لا تظهر في الصور
فنحن نميل إلى من نشعر تجاههم بالألفة والتشابه في الأفكار أو القيم أو الاهتمامات، لكننا لا نبحث دائماً عن شخصٍ يشبهنا تماماً ..بل قد نبحث عن شخص يفهمنا
بل قد ننسى تفاصيل كثيرةً عن شخصٍ ما لكننا نادراً ما ننسى كيف عاملنا عندما كنا ضعفاء أو كيف استمع إلينا عندما لم يكن لدينا ما نقوله فيمنحنا الثقة …

لأن الثقة لا تحتاج إلى إثبات
فالثقة بالنفس من أكثر الصفات التي تمنح الإنسان جاذبيةً لكن الثقة الحقيقية لا تشبه الغطرسة
الواثق لا يحتاج إلى أن يقلل من الآخرين كي يشعر بقيمته ولا إلى أن يثبت نفسه في كل لحظة.
هو يعرف من يكون ويعرف أيضاً أنه ليس مضطراً لأن يكون أفضل من الجميع
أما الغطرسة او التكبر فكثيراً ما تكون محاولةً لإخفاء هشاشةٍ داخليةٍ تحتاج باستمرار إلى تصفيق الآخرين ..
الثقة تقول:
أنا أعرف قيمتي
أما الغطرسة فتقول:
أحتاجك أن تعترف بقيمتي
ولهذا تبدو الثقة أكثر هدوءاً وأكثر قدرةً على منح الآخرين شعوراً بالراحة والأمان
و الأمان هو أعمق درجات الجاذبية
الجاذبية في أعمق مستوياتها مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالأمان
فهناك أشخاص يجعلوننا نراقب كلماتنا باستمرار ونخشى أحكامهم وردود أفعالهم
بالمقابل يوجد أشخاص نشعر بقربهم أننا نستطيع أن نتخلى عن أقنعتنا فنختلف دون خوف و نعترف بالخطأ دون إذلال و نتحدث عن ضعفنا دون أن يتحول ضعفنا إلى سلاحٍ ضدنا
وهنا يكون الإنسان جذاباً لا لأنه يملك شخصيةً مثاليةً بل لأنه يمنح من حوله مساحةً ليكونوا أنفسهم
وربما كانت هذه إحدى أجمل صور الجاذبية:
( عندما يشعر الآخر بقربك أنه ليس مضطراً أن يمثل دورًا )

وتأتي أهمية الأمان لوجود فرق بين ( الجاذبية الصحية والجاذبية السامة)
ولأن الجاذبية وحدها ليست دليلاً على سلامة الإنسان
فقد يكون شخصٌ ما شديد الجاذبية لكنه يستخدم حضوره وذكاءه العاطفي للتلاعب بالآخرين…
الجاذبية الصحية تقوم على الصدق والاحترام والحرية وتجعل الإنسان أكثر راحةً مع نفسه
أما الجاذبية التلاعبية فتستخدم الاهتمام والغموض والإغراء لتحكم السيطرة وتعلّق الآخرين بها ..
الأولى تقول:
«كن نفسك».
أما الثانية فتقول:
«كن كما أريد كي أبقيك قريباً مني»
ولهذا فإن المعيار الحقيقي للجاذبية ليس عدد الأشخاص الذين تستطيع جذبهم بل( الأثر الذي تتركه فيهم)
فالجاذبية ليست ..
أن تكون أجمل شخصٍ في المكان بل أن يكون لحضورك معنى.
ولا أن تجعل الجميع ينظرون إليك بل أن تجعل من يقترب منك يشعر بأنه مرئي
و لا أن تمتلك شخصيةً مثاليةً بل أن تمتلك شخصيةً صادقةً حقيقية
فالمظهر قد يفتح الباب والجمال قد يجذب العين والثقة قد تثير الإعجاب…
لكن ما يجعل الإنسان يبقى في الذاكرة هو شيءٌ أعمق (الأثر )
قد تتغير الملامح وتبهت الصور وتُنسى الكلمات…
لكن الأثر الذي تركته في قلب إنسانٍ قد يبقى طويلاً
وربما لهذا كانت الجاذبية الحقيقية
أن يكون حضورك أبلغ من شكلك، وأن تكون روحك أعمق من ملامحك، وأن يخرج الإنسان بعد لقائك وهو أكثر تصالحاً مع نفسه مما كان عليه قبل أن يلتقيك.