واع / ن إدارة الخطاب إلى صناعة الوعي: قراءة في تجربة حيدر حسون الفزع الثقافية/ آراء حرة / بقلم: د . شكرية السراج


الثقافة ليست ما نقرأه فحسب، بل ما نصبح عليه” — مقولة تختصر جوهر التحول الذي تحتاجه المؤسسات الثقافية في العراق اليوم.

في لحظةٍ تاريخية تتسم بتسارع التحولات الإعلامية وتداخلها مع البنى الثقافية، يصبح الحديث عن إدارة الثقافة حديثًا عن إدارة الوعي الجمعي، لا عن تسيير مؤسسة تقليدية. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الدكتور حيدر حسون الفزع بوصفها حالة تستحق المقاربة، لما تنطوي عليه من تداخل بين الممارسة الإعلامية والرؤية الثقافية.

لقد أسس الفزع، عبر مسيرته المهنية، لنموذج إعلامي يقوم على جدلية الحرية والمسؤولية، وهو ما يتقاطع مع الطروحات الحديثة في دراسات الإعلام التي ترى أن حرية التعبير لا تنفصل عن البعد الأخلاقي والوظيفة المجتمعية. ولم يكن دفاعه عن حقوق الصحفيين مجرد موقف نقابي، بل ممارسة واعية تعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة الإعلام كسلطة رمزية منتجة للمعنى.

ومن زاوية تحليلية، يمكن قراءة انتقاله من العمل الصحفي إلى الإدارة المؤسسية بوصفه تحولًا من إنتاج الخطاب إلى إدارة إنتاجه، وهو تحول نوعي يعكس فهمًا لديناميكيات التأثير في المجال العام. فالإعلام، في صيغته المعاصرة، لم يعد ناقلًا للواقع بل مساهمًا في تشكيله، وهو ما يجعل من الخبرة الإعلامية ركيزة أساسية لأي مشروع ثقافي ناجح.

إن ترشيح الفزع لتولي وزارة الثقافة لا يندرج ضمن سياق الأسماء المطروحة بقدر ما يعكس حاجة موضوعية لإعادة تعريف وظيفة الثقافة داخل الدولة. فالثقافة اليوم تمثل أحد أعمدة “القوة الناعمة”، وتسهم في بناء الهوية الوطنية وتعزيز التماسك المجتمعي، فضلًا عن دورها في الاقتصاد الإبداعي.

ويكتسب هذا الترشيح بعدًا إضافيًا في ظل الدعم الذي يحظى به من قبل الأدباء والفنانين والشعراء، وهو دعم يحمل دلالات سوسيولوجية مهمة، إذ يعكس تقاطعًا بين النخبة المنتجة للمعرفة ومن يمتلك أدوات إدارتها. هذا التلاقي يُعد شرطًا ضروريًا لنجاح أي مشروع ثقافي يسعى إلى تجاوز الشكل نحو المضمون.

إن التحدي الذي يواجه أي قيادة ثقافية اليوم يتمثل في القدرة على الانتقال من إدارة النشاط إلى إدارة الأثر، ومن تنظيم الفعاليات إلى بناء السياسات. وهنا تبرز أهمية الخبرة التراكمية التي يمتلكها الفزع، والتي قد تتيح له صياغة مقاربة جديدة تقوم على دمج الإعلام بالثقافة ضمن إطار استراتيجي موحد.

ختامًا، لا يمكن النظر إلى تجربة الدكتور حيدر حسون الفزع بمعزل عن السياق العام لتحولات الدولة العراقية، حيث تتزايد الحاجة إلى قيادات تمتلك وعيًا مركبًا يجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية. وفي هذا الإطار، فإن ترشيحه يفتح أفقًا لنقاش أعمق حول مستقبل الثقافة، بوصفها مشروعًا لبناء الإنسان قبل أن تكون قطاعًا إداريًا.