واع / الفزع على الثقافة… ضرورة وطنية / آراء حرة/ بقلم د . ثائر جبار
في وطنٍ كتب أولى صفحات الحضارة، لا ينبغي أن تبقى الثقافة على هامش الاهتمام. فالثقافة لا تدار بالروتين، بل هي روح العراق، وذاكرته الحية، والمرآة التي تعكس تاريخه الممتد عبر آلاف السنين. وكلما ازدهرت الثقافة، ازداد الوطن حضورًا وقوةً واحترامًا بين الأمم، وكلما تراجعت، فقد جزءًا من هويته وملامحه التي تميزه عن سواه.
ولأن العراق يمتلك إرثًا حضاريًا وإنسانيًا لا يضاهى، فإن مسؤولية النهوض بالثقافة لم تعد خيارًا، بل واجبًا وطنيًا يستدعي إسناد هذه المهمة إلى شخصية تمتلك رؤية وإيمانًا برسالة الثقافة، وقادرة على إعادة الاعتبار للمثقف العراقي، وتحويل وزارة الثقافة إلى منارة تليق بتاريخ بلاد الرافدين ومستقبلها.
فالأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات فحسب، وإنما بما تنتجه من فكر وإبداع، وبما تحافظ عليه من إرث حضاري وهوية وطنية. والعراق، الذي قامت على أرضه أولى الحضارات وازدهرت فيه أولى الكتابات، يمتلك من المقومات الثقافية ما يؤهله ليكون منارة ثقافية في المنطقة والعالم، لا أن تبقى مؤسساته الثقافية أسيرة الإهمال وضعف التخطيط.
لقد دفع المثقف العراقي أثمانًا باهظة على مدى عقود. ففي زمن الدكتاتورية، تعرض كثيرون للتهميش أو القمع أو أُجبروا على تسخير أقلامهم لخدمة السلطة، فيما اختار آخرون المنفى أو الصمت، ودفع آخرون حياتهم ثمنًا لمواقفهم. وبعد عام 2003، كان الأمل أن تستعيد الثقافة مكانتها، لكن الواقع لم يرتقِ إلى حجم التطلعات، وبقيت الوزارة تعاني من ضعف الدعم وتراجع دورها في صناعة المشهد الثقافي.
إن الحاجة اليوم ليست إلى وزير يدير مؤسسة روتينية، بل إلى قائد يحمل مشروعًا ثقافيًا وطنيًا يعيد الاعتبار للمبدعين، ويستثمر الإرث الحضاري للعراق، ويحول وزارة الثقافة إلى مؤسسة منتجة ومؤثرة، تسهم في تنشيط السياحة الثقافية، واستقطاب الفعاليات الدولية، وتعكس الصورة الحقيقية لبلدٍ أنجب الحضارات وعلّم الإنسانية أولى الحروف.
وفي ظل هذه الحاجة، يبرز اسم الأستاذ حيدر فزع بوصفه أحد الأسماء التي يرى كثيرون أنها تستحق فرصة قيادة هذا الملف، لما يتطلبه المشهد الثقافي من رؤية متجددة وإدارة قادرة على لمّ شمل الأسرة الثقافية، وإعادة الثقة بالمؤسسات الثقافية، والاهتمام بالمبدعين، والانطلاق بمشاريع تضع العراق في المكانة التي يستحقها. فوزارة الثقافة اليوم بحاجة إلى من يؤمن بأن الثقافة مشروع وطن، لا مجرد حقيبة إدارية.
كما أن إنصاف المثقفين والكتاب والفنانين لم يعد خيارًا، بل استحقاقًا وطنيًا. فهذه الشريحة كانت، وما زالت، خط الدفاع الأول عن الهوية العراقية، وحملت رسالة الوعي في أصعب الظروف، ومن حقها أن تحظى بالرعاية والدعم، وأن تُرفع عنها سنوات التهميش والإقصاء.
إذا كنا نبحث عن عراق قوي، فإن البداية تكون ببناء الإنسان، ولا بناء للإنسان من دون ثقافة. لذلك، فإن الفزع يجب أن يكون على الثقافة، لأنها الحارس الأمين للهوية الوطنية، والجسر الذي يصل ماضينا العريق بمستقبل يليق بالعراقيين. وحين تُمنح هذه الوزارة لمن يمتلك الرؤية والإرادة والقدرة على تحويلها إلى مؤسسة فاعلة، فإن العراق سيكون قد خطا خطوة حقيقية نحو استعادة دوره الثقافي والحضاري، وهي الغاية التي يأمل كثيرون أن تتحقق عبر اختيار شخصية قادرة على حمل هذه الرسالة، ومن بينها الأستاذ حيدر فزع.


