واع / حين يرتجف الفاسدون…تبدأ حرب التشويه/ آراء حرة / عبد الغني الغضبان – محال سياسي

ليس من قبيل المصادفة أن ترتفع أصوات التشكيك كلما اقتربت يد العدالة من ملفات الفساد. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الفاسد لا يدافع عن نفسه بالحجة، بل يصنع الضجيج، ويخلط الأوراق، ويستأجر الجيوش الإلكترونية، ويحول النقاش من محاسبة اللصوص إلى محاكمة من فتح الملفات.

إن أخطر ما يواجه أي حكومة تعلن الحرب على الفساد ليس حجم الأموال المنهوبة، بل حجم المصالح التي بنت إمبراطورياتها على تلك الأموال. فكل ملف فساد لا يهدد شخصًا واحدًا، بل يهدد شبكة كاملة من المنتفعين الذين اعتادوا أن تكون الدولة وسيلة للغنيمة لا مؤسسة لخدمة الشعب.

وعندما يشعر أصحاب النفوذ بأن امتيازاتهم بدأت تتآكل، تتحول وسائل الإعلام المأجورة ومنصات التواصل إلى ساحات لتشويه السمعة، وتُفبرك القصص، وتُضخ الشائعات، ويُراد للرأي العام أن ينسى السؤال الحقيقي: من سرق؟ وينشغل بسؤال آخر: من كشف السرقة؟

إن حملات التسقيط ليست دليلًا على فشل الإصلاح، بل قد تكون في بعض الأحيان مؤشرًا على أن الإصلاح بدأ يقترب من مناطق النفوذ المحرمة. فكلما اشتد الألم، كان ذلك دليلًا على أن الجرح قد لُمِس، وأن المصالح غير المشروعة بدأت تشعر بالخطر.

لكن في المقابل، فإن أي حكومة ترفع شعار مكافحة الفساد مطالبة أيضًا بأن تثبت صدقيتها بالأفعال لا بالشعارات. فالعدالة لا تكتمل إذا كانت انتقائية، والقانون يفقد هيبته إذا استُخدم ضد خصوم سياسيين وغض الطرف عن حلفاء. إن المعركة الحقيقية ليست في إطلاق التصريحات، وإنما في بناء قضاء مستقل، ومؤسسات رقابية قوية، وشفافية تجعل الجميع أمام القانون سواء.

ويبقى الرهان الأكبر على وعي المواطنين. فالشعوب التي تميز بين النقد الموضوعي وحملات التضليل لا تسمح للفاسدين بالاختباء خلف الضجيج. أما إذا نجحت آلة التشويه في قلب الحقائق، فإن الفساد لن يكتفي بسرقة المال العام، بل سيسرق الثقة بالدولة نفسها.

وفي النهاية، فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة حكومة ضد خصومها، بل معركة دولة تريد أن تستعيد هيبتها في مواجهة من اعتادوا أن تكون الدولة مزرعة خاصة لهم. وإذا كانت حملات التشويه تزداد مع كل خطوة نحو المحاسبة، فإن الرد الحقيقي عليها ليس بالخطابات، وإنما بإكمال الملفات، وكشف الحقائق، وإصدار الأحكام العادلة، حتى يصبح القانون هو الصوت الأعلى، لا ضجيج المستفيدين من الفساد.