واع / حيدر الفزع كما عرفته.. لا كما أُخبرت عنه / اراء حرة / بقلم القاص والصحفي: علي الساعدي

في المشهد الثقافي والإعلامي، ثمة فارق جوهري بين من يُقرأ اسمه عبر البيانات والمراسيم، ومن تُقرأ ملامحه في الميدان؛ بين من تأتي به المعادلة فيغدو طارئاً على القطاع، ومن ينبت من أصل التربة الثقافية فيحمل همومها كجزء أصيل من تكوينه. والدكتور حيدر حسون الفزع ينتمي – بيقين التجارب المباشرة – إلى الصنف الثاني.
إن المعرفة الحقيقية بالشخصيات العامة لا تُبنى على الانطباعات المنقولة أو الأوصاف النمطية، بل تتشكل عبر الاحتكاك اليومي وتجارب الميدان. فلو جردتَ الرجل من مؤهلاته العلمية والثقافية العالية، لوجدته مستوفياً لشروطه بإنسانيته المجرّدة؛ تلك الإنسانية التي تُعدّ وحدها جواز مرورٍ مستحق لتسنّم مسؤولية قطاع بحجم الثقافة، بحقٍّ منصفٍ له وللمنصب الذي يشغله.
ولعلّ أصدق ما يكشف جوهر هذه السيرة هو الحضور الميداني الحقيقي؛ فقد عرفته الميادين ذات تظاهرة شعبية تنادي بحقوق الفقراء والمهمشين، يشارك الناس همومهم وتطلعاتهم المشروعة وسط دخان مسيلات الدموع والمصير المجهول، بعيداً عن تنظيرات أصحاب الأبراج العاجية. وهناك، جمعَنا لقاءٌ تحت خيمة «مؤسسة الإعلام العراقي» التي شهدت صومعتها حراكاً ثقافياً وسياسياً فاعلاً؛ من صياغة للبيانات الوطنية، إلى إقامة المعارض الفنية – الشخصية منها والعامة – لتتحول المؤسسة في عهده إلى حاضنة حقيقية لكل صوت حر وفكر ناضج.
إن هذه الثنائية – التمكن المهني والتوازن الأخلاقي – هي ما ميزت مسيرته الممتدة لأكثر من عقدين. فقد أثبتت التجربة أن المهارات الإدارية يمكن اكتسابها بالمران، لكن النبل الإنساني والشهامة الميدانية هما نتاج بيئة أصيلة. وقد تجسد هذا التكامل في مبادراته التي تجاوزت العمل الإداري التقليدي؛ بدءاً من فتح أبواب المؤسسة لتأهيل الشباب والطلبة مجاناً، ورفد المكتبة الإعلامية بالمؤلفات المتخصصة، وصولاً إلى تكفّله بعلاج الزملاء والوقوف معهم في أزماتهم الخاصة.
واليوم، إذ يدور النقاش في الأوساط الثقافية حول ترشيحه لتولي حقيبة وزارة الثقافة والسياحة والآثار، فإن هذا الاستحقاق لا يُقرأ بوصفه سعياً نفعياً نحو وجاهة، بل كضرورة منهجية لإعادة الاعتبار لمؤسسة تحتاج إلى ابنٍ حقيقي للميدان؛ أكاديمي يمتلك الرؤية، وإنسان يشعر بالناس، قادر على تحويل الثقافة من هيكل إداري جامد إلى قوة فاعلة في بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية.. لا كما يُخبر عنه الآخرون، بل كما عرفه الميدان وشهدت له المواقف.