واع/ بيتنا أحسن البيوت/ آراء حرة / بقلم : سمير السعد
لكل بيت حكاية، ولكل جدار ذاكرة، ولكل باب مرّت منه وجوه تركت شيئاً من روحها. وبيتنا الصحفي واحد من هذه البيوت التي عاشت أكثر مما شهدت ، احتضن أجيالاً، ومرّت عليه أيام ثقيلة، وبقي رغم ذلك عامراً بأهله ومحبيه.
شُيّد سنة 1959، وما كان يومها بيتاً فخماً وفق مقاييس ذلك الزمن، لكنه كان يضم عائلة طيبة تجمعها الألفة والمحبة، وتحلم بأن يكبر شأنه مع الأيام. وكان لراعي البيت حضور معروف تجاوز حدود المحلة، لما امتلكه من شخصية مؤثرة ومكانة بين الناس، غير أن الظروف دفعته إلى الرحيل، حتى انتقل إلى رحمة الله في ديار الغربة، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً وفكرياً بقي حاضراً في ذاكرة المكان وأهله.
ومع غيابه دخل البيت سنوات طويلة من الانتظار. تعاقبت الوجوه والمسؤوليات، وقست الظروف على أهله، لكنهم تمسكوا به وبمهنتهم، وعملوا بما توفر لهم حتى يحافظوا على ما تركه السابقون. وظل الأمل قائماً بأن تأتي مرحلة تستعيد فيها النقابة حضورها وتمنح الصحافة العراقية المساحة التي تستحقها.
ومع المتغيرات التي شهدها العراق بعد عام 2003، بدأت تلك المرحلة تأخذ طريقها، واتجهت النقابة نحو حضور أوسع في الوسط الصحفي والعربي، تحت خيمة تجمع أبناء المهنة على أساس المهنية والمحبة والمؤاخاة، بعيداً عن التعصب الديني والقومي والعرقي، ويظل العراق عنوانها الجامع.
وفي هذا التحول برز دور الأستاذ والزميل مؤيد اللامي، الذي ارتبط اسمه بمرحلة شهدت نشاطاً أكبر للنقابة واتساعاً في علاقاتها وحضورها. وخلال سنوات مسؤوليته، اتجه العمل نحو تعزيز مكانة الصحافة العراقية وإيصال صوتها إلى المحيط العربي، حتى جاءت رئاسته لاتحاد الصحفيين العرب لدورتين متتاليتين امتداداً طبيعياً لهذا الحضور. ومن خلال هذا الموقع حمل اللامي اسم العراق إلى المحافل العربية، وطرح قضايا الصحفيين ومكانة المهنة أمام الأشقاء العرب، فكان المنصب مساحة لتعزيز حضور الصحافة العراقية وعلاقات نقابتها، وليس مجرد عنوان إداري. وهكذا أصبحت تجربته جزءاً من مسيرة البيت في انتقاله من الحضور المحلي إلى حضور عربي أوسع، وهي محطة مهمة في تاريخ النقابة والصحافة العراقية خلال تلك السنوات.
أما اليوم، فإن المحافظة على ما تحقق تحتاج إلى استمرار العمل وتطوير المؤسسة والنقابة تبقى بيتاً مهنياً يجمع أبناءها، وخيمتها تتسع للجميع ما دام الهدف خدمة الصحافة والعراق.
والوقوف خلف النقابة لا يعني غياب النقد ، فالنقد المهني حق، والحوار المسؤول وسيلة للتطوير، بينما تبقى محاولات التشويه والتزوير والإساءة عاجزة عن تغيير تاريخ يعرفه أبناء المهنة ويعرفون رجاله وجهودهم ويعرفون اللامي وتضحياته .
لقد تبدلت الأيام منذ سنة 1959، وتعاقبت الأجيال والظروف، لكن البيت ظل محتفظاً بروحه ، بيتاً للصحفيين، وخيمة للمهنة، وواجهة للعراق. بيتنا أحسن البيوت، وخيمتنا تجمعنا، والعراق أولاً وآخراً.
رحم الله شهداء العراق الأبرار، وأسكنهم فسيح جناته، وحفظ كل من عمل بإخلاص من أجل هذا البلد وصحافته.


