واع/ دعوا الراتب فإنه مأمور /د.حيدر عبد الامير الغريباوي / اراء حرة


إن أقسى ما قد‮ ‬يصيب الموظف هو لقمة عيشه وعيش عائلته،‮ ‬لقد تناست وزارة المالية بأن المسّ‮ ‬بالراتب أخطر بكثير من المسّ‮ ‬بأمور اخرى،‮ ‬كونها تمسّ‮ ‬لقمة العيش في‮ ‬حياة الموظف ويشكل دعوة‮ ‬غير مباشرة إلى الثورة والفوضى العارمة،‮ ‬وتقضي‮ ‬على كل ما تبقى من أمن واستقرار‮.‬
ان الانصياع إلى برامج المنظمات الدولية كالبنك الدولي‮ ‬وصندوق النقد الدولي‮ ‬من خلال فرض سياسات تقشف‮ ‬غير ملاءمة لواقع الاقتصاد العراقي‮ ‬حتى وإن كانت قد أثبتت نجاحها في‮ ‬دول أخرى،‮ ‬إلا أنها قد تؤدي‮ ‬إلى نتائج عكسية،‮ ‬لأن التقشف في‮ ‬بلد‮ ‬يفتقر فيه المواطن إلى الأساسيات الكهرباء،‮ ‬الماء،‮ ‬النقل،‮ ‬التعليم،‮ ‬والصحة فضلاً‮ ‬عن‮  ‬قطع البنك المركزي‮ ‬الشك باليقين عندما أعلن أن سعر الصرف الجديد للعملة سيرتفع من‮ ‬1190 ‮ ‬إلى‮ ‬1450 دينارا مقابل الدولار الأميركي،‮ ‬كل ذلك سوف‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى إعدام هذا الأخير‮.‬
بهذا الصدد‮ ‬يقول البنك الدولي‮ ‬إن إجراءات التقشف‮ ‬يمكن أن تثير مزيدا من الاضطرابات الاجتماعية،‮ ‬مع ضعف الخدمات العامة أصلا وارتفاع معدلات البطالة وإن هذا الضريبة تطبق على الراتب الكلي‮ ‬بدلا من الإسمي‮ ‬ابتداء من الشهر الحالي‮ ‬ويشمل ذلك الراتب الإسمي‮ ‬مع المخصصات‮.‬
و ستتراوح الضرائب على الرواتب،‮ ‬بين‮ ‬10 إلى‮ ‬15 في‮ ‬المئة وتشمل جميع الموظفين الذين تتجاوز رواتبهم‮ ‬500 ألف دينار عراقي‮ ‬نحو‮ ‬400 دولارا اميركيا،‮ ‬مع وجود استثناءات في‮ ‬ذلك حيث لن‮ ‬يشمل هذا القانون من تقل رواتبــــــهم عن الـ‮ ‬500 ‮ ‬ألف دينار‮”. ‬وتجميد عمليات التوظيف والعلاوات‮.‬
نصوص دستورية
وهذا‮ ‬يخالف النصوص الدستورية بناءً‮ ‬على ما اقره مجلس النواب طبقا لأحكام المادة‮ ‬61‮/‬أولا من الدستور واستناداً‮ ‬إلى أحكام الفقرة خامساً‮ /‬أ من المادة‮ ‬138 من الدستور قرر مجلس الرئاسة بجلسته المنعقدة بتاريخ‮  ‬4 ‮/‬5 ‮/‬ 2008 إصدار قانون رقم‮ ‬22 ‮ ‬لسنة‮ ‬2008  قانون رواتب موظفي‮ ‬الدولة والقطاع العام‮  ‬المادة‮ ‬1 منه‮ ‬يهدف هذا القانون إلى تعديل رواتب المشمولين بأحكامه بما‮ ‬يؤمن لهم مستوى معيشي‮ ‬أفضل مع الأخذ بنظر الاعتبار المؤهلات العلمية والمنصب الوظيفي‮ ‬والموقع الجغرافي‮ ‬والخطورة وسنوات الخدمة والحالة الاجتماعية،‮ ‬أما المادة‮ ‬5 ‮ ‬منه تنص على منح العلاوة السنوية للموظف عند إكماله‮ ‬1 ‮ ‬سنة واحدة في‮ ‬الخدمة الوظيفية‮ .‬
ان موضوع قرار فرض الضرائب على الرواتب وتخفيض المخصصات وبشكل مفاجيء وبدون دراسة مضمونة وفي‮ ‬هذا الشكل سوف‮ ‬ينعكس سلباً‮ ‬على القدرة الشرائية في‮ ‬السوق مما‮ ‬يساعد على البطالة اضافةً‮ ‬الى كثرة البطالة الموجودة حالياً‮ ‬وخاصةً‮ ‬نحن بلد نعيش في‮ ‬حالة اقتصاد احادي‮ ‬الجانب‮ .‬
وما زاد الطين بلة هو ان الحكومة لم تقم بأي‮ ‬تدبير علمي‮ ‬لتأمين زيادة الرواتب من خلال وقف الهدر،‮ ‬واقفال مزاريب الانفاق‮ ‬غير المجدي‮ ‬ورفع منسوب الإيرادات إلى ان وصلت إلى الحائط المسدود،‮ ‬وكأن القطاع العام في‮ ‬الدولة هو المسؤول الأساس والمباشر عن وصول الأوضاع المالية والاقتصادية إلى ما وصلت إليه من تردٍ‮ ‬وانحدار،‮ ‬وليس الطبقة السياسية،‮ ‬مع الاقرار بأن فارق الأجور والرواتب للقطاع العام في‮ ‬العديد من البلدان،‮ ‬يتسع في‮ ‬فترات الهبوط الاقتصادي‮ ‬عكس العاملين في‮ ‬القطاع الخاص،‮ ‬يتمتع العاملون في‮ ‬القطاع الحكومي‮ ‬في‮ ‬بلدان كثيرة بالحماية الوظيفية ويحققون دخل أعلى بنسبة‮ ‬10 ‮ ‬بالمئة‮ ‬ تقريبا من نظرائهم في‮ ‬القطاع الخاص الذين‮ ‬يتمتعون بمزيج مماثل من المهارات حسب دراسة صندوق النقد الدوليIMF قدَّر متوسط فارق الأجور والرواتب في‮ ‬القطاع العام،‮ ‬بنسبة‮ ‬10.1‮ ‬بالمئة‮ ‬ بحيث‮ ‬يتراوح بين‮ ‬5.4 ‮ ‬بالمئة‮ ‬ في‮ ‬الاقتصادات المتقدمة و11.7‮ ‬بالمئة‮ ‬ في‮ ‬الاسواق الصاعدة،‮ ‬و‮ ‬12.8 ‮ ‬بالمئة‮ ‬ في‮ ‬البلدان النامية منخفضة الدخل‮.‬
ورغم أن تخفيضات الرواتب بإمكانها المساعدة في‮ ‬تلبية احتياجات الإنفاق العاجلة حيثما‮ ‬يكون الحيز المالي‮ ‬محدودا،‮ ‬فمن الضروري‮ ‬توخي‮ ‬الحرص في‮ ‬تصميمها وتنفيذها لكي‮ ‬تنتج عنها الوفورات المنتظرة ولتجنب التبعات‮ ‬غير المقصودة،‮ ‬وعلى الحكومات التي‮ ‬تنظر في‮ ‬اعتماد مثل هذه الإجراءات بحيث تتوفر فيها المواصفات التالية‮:‬

  • التصاعديةحيث تختلف التخفيضات باختلاف مستويات التعويضات تشير اعتبارات التضامن والمساواة إلى حاجة الموظفين العموميين الأعلى دخلاً‮ ‬بنصيب أكبر في‮ ‬تحمل الأعباء‮. ‬ويمكن استبعاد الموظفين العموميين الأقل دخلاً‮ ‬تماما من أي‮ ‬تخفيضات في‮ ‬التعويضات لتجنب خلق أوضاع الفقر دون قصد‮.‬
  • استثناء الموظفين في‮ ‬القطاعات ذات الاولوية‮ :‬
    من الضروري‮ ‬أن تستثنى من هذه التصحيحات رواتب الموظفين العموميين في‮ ‬بعض القطاعات بغض النظر عن مستويات دخولهم،‮ ‬إذا كانوا،‮ ‬مثال،‮ ‬يشاركون بشكل مباشر أو‮ ‬غير مباشر في‮ ‬الاستجابة للأزمة‮. ‬وهذا‮ ‬يشمل الموظفين في‮ ‬قطاع الصحة كالاطباء،‮ ‬والممرضين،‮ ‬والعاملين في‮ ‬خدمات الطوارئ،‮ ‬ورجال الاسعاف،‮ ‬وغيرهم‮ .‬والقائمين على توصيل البضائع التي‮ ‬تعتبر ضرورية،‮ ‬والموظفين العموميين المشاركين بشكل مباشر في‮ ‬ضمان دقة عمل واستقرار سلسلة التوريدات الغذائية والطبية‮.‬
    نعود الى جوهر مقالنا هل تمّت دراسة الانعكاسات الكارثية التي‮ ‬قد تترتّب عنه على الوضعين الاقتصادي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬العام،‮ ‬لكون عدم المسّ‮ ‬برواتب الطبقة الوسطى باعتبارها تشكل رافعة الاقتصاد وعماد الناتج القومي‮.‬
    وينبغي‮ ‬بذات الاتجاه معرفة الآثار النفسية والاجتماعية لدى الموظفين جراء فقدان الراتب أو،‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى تد?ور الوضع المادي‮ ‬للفرد والذي‮ ‬يؤثر بدوره على الصحة الجسمية والنفسية للفرد،‮ ‬يجعل الفرد أكثر عرضة للتأثر بأحداث الحياة،‮ ‬كما أن تخفيض الرواتب‮ ‬يجعل الفرد‮ ‬يعيش تقريبا في‮ ‬حالة من الوحدة النفسية لعدم قدرته على المشاركة في‮ ‬أية أنشطة اجتماعية،‮ ‬التي‮ ‬أوضحت أن عجز الفرد عن توفير الأموال التي‮ ‬تساعده على توفير قوته اليومي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلى فقدان المكانة الاجتماعية في‮ ‬المجتمع لهذا الفرد،‮ ‬ويتجنب الاتصال بالاخرين،‮ ‬ويفضل أن‮ ‬يعيش في‮ ‬عزلة دائمة،‮ ‬واعتناق أفكار هدامة،‮ ‬حيث إن راتب الموظف في‮ ‬ظل الظروف الطبيعية لا‮ ‬يكفيه أكثر من نصف الشهر وأحيانا أقل من ذلك،‮ ‬لدرجة أنه‮ ‬يمكن القول بأن أكثر من ثلثي‮ ‬الموظفين‮ ‬يصنفون ضمن‮  ‬الفقراء،‮ ‬?ذا من ناحية،‮ ‬ومن ناحية أخرى فإن الموظف الذي‮ ‬ال‮ ‬يتقاضى راتبه لا‮ ‬يرى أي‮ ‬جدوى من وجوده في‮ ‬?ذا العمل،‮ ‬فإنه‮ ‬يدرك ما عليه من واجبات،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فإن الراتب‮ ‬يظل‮ ‬?و كل حياته‮.‬
    خنق اقتصادي
    أن سياسة فرض عملية خنق اقتصادي‮ ‬واجتماعي‮ ‬للموظف شمل محاربتهم في‮ ‬وسائل عيشهم،‮ ‬وتضييق الخناق عليهم،‮ ‬مما خلف آثارا خطيرة على مستوى تمتع الموظفين بحقوقهم الاقتصادية،‮ ‬والاجتماعية،‮ ‬وأدى إلى تفاقم حدة الفقر،‮ ‬والبطالة أصلاً،‮ ‬مما ترتب عليه انخفاض في‮ ‬مستوى المعيشة‮.‬
    ولا‮ ‬يخفى عن الجميع أن العراق مليئ بالتناقضات،‮ ‬ومشبع بروح التشاؤم،‮ ‬والتمرد الداخلي‮ ‬على كل الاوضاع القائمة،‮ ‬فإنه من الطبيعي‮ ‬أن‮ ‬يكثر التفكير في‮ ‬البحث عن كيفية إشباع الفرد لحاجاته،‮ ‬أي‮ ‬الحصول على ما‮ ‬يؤمن له حاضره ومستقبله،‮ ‬لادراك المواطن والموظف بأن الحكومة وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها‮ ‬غير قادرة على تلبية احتياجات هؤلاء الموظفين،‮ ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬فقدانهم الحد الأدنى من الشعور بالأمان والطمأنينة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬جعل من البيئة المعيشية بيئة من البيئات الضاغطة الصعبة،‮ ‬مم?ا جعل الموظف‮ ‬يعيش في‮ ‬حالة من الالمبالاة،‮ ‬وفقدان الشعور بمعنى الحياة،‮ ‬وفقدان الشخص لمعنى وجوده في‮ ‬?ذه الحياة‮.‬
    وتكمن المفارقة في‮ ‬أن المفسد الذي‮ ‬أوصلنا إلى هذا المأزق،‮ ‬اعتلى قوس العدالة وقرر محاكمة الموظف في‮ ‬لقمة عيشه وتهديد استقراره الاجتماعي،‮ ‬بسبب ما أحدثه استحواذ أحزاب السُلطة والقرار وعِبر مكاتبها الاقتصادية على مُقدرات الدولة وسط‮ ‬غياب الإجراءات الرقابية الحقيقية للدوله،‮ ‬كما لا‮ ‬يخفى على أحد أن أهم الأسباب التي‮ ‬ساعدت كُل ذلك التدميـــــــــر هو‮ ‬غياب الروح الوطنية والولاء واستشراء الفساد وغياب الإرادة الحقــــــــيقية لبناء دولة المؤسسات والمواطنة وفق مبادئ العـــــــــراق وطن الجميع وعلى الجميع العمل لبــنائه وتطويره‮ .‬
    ومن ثم فأن أي‮ ‬إصلاح اقتصادي‮ ‬وإداري‮ ‬لا‮ ‬يتضمن تحسين الاجور بشكل رئيسي‮ ‬يعد برنامجاً‮ ‬قاصراً‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحقق النتائج المطلوبة،‮ ‬وعلى رأسها الرواتب أحد أهم برامج الإصلاح الاداري،‮ ‬في‮ ‬العنصر البشري‮ ‬يشكل أحد أهم عناصر الإنتاج التي‮ ‬تؤثر بشكل مباشر على نجاح المنظمات على اختلاف انواعها،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن انه‮ ‬يلعب دوراً‮ ‬هاماً‮ ‬وحيوياً‮ ‬في‮ ‬تحقيق الأهداف والخطط الموضوعة‮.‬