دمشق تستعد لمغادرة “لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر”

واع / بغداد/متابعة

أنهت المديرية العامة للآثار والمتاحف في وزارة الثقافة السورية، العمل على الملف الخاص ببدء إجراءات رفع مدينة دمشق القديمة عن “لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر”.

وأجرت الوزارة استعداداتها لعقد سلسلة اجتماعات عبر الإنترنت مع خبراء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، خلال دورتها الدولية الـ 44، التي تعقد بين 16-31 تموز/يوليو الجاري لاستكمال النقاشات المرتبطة بهذا الملف.

في هذا السياق، أوضح مدير عام الآثار والمتاحف السورية، نظير عوض، أن: “8 مواقع أثرية وطنية مسجلة على لائحة التراث العالمي، منها دمشق وحلب وبصرى وتدمر، وكان آخرها القرى المنسية في ريفي إدلب وحلب، وقد تم العمل على هذا الملف قبل عام 2011 وقبلته منظمة اليونيسكو، وسجلت هذه المواقع مع محيطها الطبيعي”.

وأضاف عوض: “مع بدء الحرب، أدرجت المنظمة هذه المواقع الأثرية المسجلة في لائحة الخطر، وهو إجراء صحيح يتخذ عادة في البلدان التي تحصل فيها حروب وأزمات، ويضع كل المؤسسات الدولية أمام استحقاقات مهمة لتقديم المساعدة والحيلولة دون تعرضها لأخطار جسيمة، وذلك من خلال مجموعة من المشاريع المتعلقة بالحماية والصون العاجل وتقديم الدعم اللازم للمؤسسات المشرفة على هذه المواقع”.

وحول الإجراءات المتخذة بعد عودة الاستقرار إلى مناطق واسعة في سوريا أشار مدير عام الآثار السورية إلى أن:  “هناك إجراءات كثيرة تمت بالتنسيق مع منظمة اليونيسكو ومع مؤسسات دولية (حكومية وغير حكومية) للاستمرار في لعب دور مهم وإيجابي خلال سنوات الحرب للحيلولة دون تعرض هذه المواقع للأضرار من خلال اتخاذ إجراءات كثيرة منها دعم توثيق المواقع وحمايتها ومراسلة كل الأطراف الموجودة من أجل حمايتها، وبعد عودة الأمن والأمان إلى كثير من الأماكن بدأت وزارة الثقافة بإجراءات رفع دمشق عن لائحة الخطر تمهيداً للانتقال إلى بقية المواقع”.

وأوضح: “هي إجراءات معقدة ودقيقة تستلزم أن تتشارك الوزارة والمديرية العامة للآثار والمتاحف والمؤسسات الحكومية الأخرى فيما بينها لكي تتدخل وتقدم العون إلى جانب المؤسسات وهيئات ومؤسسات المجتمع المحلي لأنها مدينة مسجلة على لائحة التراث العالمي كمدينة معاشة ومسكونة ويتوجب أن يتم فيها تعزيز السكن ومراعاة عدم إجراء أية أنشطة طاردة للسكان.

واستطرد عوض: “بدأنا قبل عام 2021 باتخاذ الإجراءات التصحيحية بالتشارك مع جميع تلك المؤسسات، فهناك أعمال ترميم وصيانة وتصحيح قوانين أو إضافة فقرات عليها، كما تم إعداد ملف من قبل هذه الجهات داخل المدينة القديمة عما تم اتخاذه من إجراءات على مستوى الترميم والتشريعات لحماية المدينة القديمة وإدارتها تمهيداً لرفع هذا الملف لمنظمة اليونيسكو ضمن تقرير منهجي مزود بالصور والشهادات ليعرض في جلساتها هذا الشهر، وقبل ذلك تم عقد اجتماعات عبر الإنترنت بين خبراء اليونيسكو مع خبراء محليين من وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف ومحافظة دمشق ومؤسسات المجتمع المحلي ومن الإدارات داخل مدينة دمشق القديمة، وقد لاقى الملف استحساناً كبيراً من هؤلاء الخبراء وأصبح في عهدة اليونيسكو ونأمل أن يتم رفع دمشق عن لائحة الخطر هذا الشهر، وسيمثل ذلك إنجازاً كبيراً لكل أصحاب المصلحة”.

وأضاف المدير العام للآثار والمتاحف السورية: “نأمل بعد نجاحنا في رفع دمشق عن لائحة الخطر أن ننتقل إلى موقعي قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين، في إطار برنامج وزارة الثقافة لحماية الإرث الثقافي المادي واللامادي وهو برنامج مهم الآن في وزارة الثقافة، ولدى المديرية العامة للآثار والمتاحف مشاريع عدة مهمة في قلعتي صلاح الدين والحصن بالتعاون مع وزارة السياحة التي خصصت أموالاً لأعمال تصحيحية مهمة في القلعتين، كما أن وزارة الثقافة أبرمت اتفاقيات مهمة جداً مع مؤسسات غير حكومية منها اتفاقية مع جمعية (مار أفرام السريان) سيجري من خلالها العمل في قلعة الحصن لتنفيذ أعمال ترميم وصيانة وتدعيم مهمة جداً”.

ولفت عوض إلى أن “كل هذه المشاريع إضافة إلى مشاريع أخرى في قلعتي صلاح الدين والحصن شاركت فيها مؤسسات المجتمع المحلي والجامعات ونقابة المهندسين والمؤسسات الأكاديمية المحيطة الموجودة في المنطقة من أجل حماية القلعتين، وكل هذا التعاون المجتمعي والحكومي والدولي سيوظف في الملفات القادمة التي يجري إعدادها كإجراءات تصحيحية للمضي قدماً في رفع قلعتي صلاح الدين والحصن عن لائحة الخطر لتعودا مجدداً إلى القائمة العادية لأهمية هذين الموقعين كقلعتين مهمتين جداً في سوريا وحتى على مستوى العالم”.

تعد مدينة دمشق مدينة استثنائية كموقع أثري مسجل على لائحة التراث العالمي لما تتميز به من معايير مهمة تتعلق بالعمران ومكونات المدينة، وهي من أقدم المدن المأهولة وأقدم عاصمة مأهولة ويعود الاستيطان فيها إلى ما قبل الألف التاسع مروراً بالألفين الخامس والسابع وحتى الفترة الآرامية المهمة جداً، حيث كانت دمشق مملكة آرامية مهمة تزعمت العالم الآرامي في سوريا بحدودها الطبيعية التي يصفها علام الآثار “دوستو” بأنها تمتد من تخوم مصر حتى سفوح الأناضول، وفيها كانت أقوى مملكة آرامية قادت معارك الدفاع عن منطقة بلاد الشام أمام الدخلاء والمحتلين الذين حاولوا السيطرة عليها ومنهم المصريون والميتانيون والحثيون.

في هذا الشأن، قالت مديرة مواقع التراث العالمي في مديرية الآثار والمتاحف لينا قطيفان: “بعد إدراج المواقع على لائحة التراث المهدد بالخطر عام 2013 التزمت سوريا بتقديم تقارير دورية سنوية لليونيسكو عن وضع هذه المواقع وبدورها كانت المنظمة تقوم بتقديم استشارات فنية وتقنية ضرورية للتدخل العاجل، وهذا ما جرى في قلعة الحصن بعد تحريرها حتى استطعنا الدخول إليها لتقييم الوضع الراهن لها، وفي هذا السياق انعقد اجتماع في بيروت مع خبراء اليونيسكو تم فيه شرح الوضع العام للقلعة وما تعرضت له من أضرار ناجمة عن قذائف المسلحين من خلال الصور والمخططات وتم تحديد أولويات التدخل ولتحديد كيفية التدخل وكيفية إجراء التوثيق وإعداد الاستمارات وقد تابع هؤلاء الخبراء هذه المسائل معنا تقنياً”.

وأضافت: “لم تتعرض مدينة دمشق القديمة لأضرار كبيرة نتيجة الحرب وكانت الأضرار محدودة في أحد جدران قلعة دمشق وفسيفساء في الجامع الأموي، إضافة إلى أضرار ناتجة عن عدة قذائف سقطت على الأحياء وأثرت بشكل جزئي على المحال التجارية، ويعتبر حريق العصرونية خطر غير مباشر بل بسبب ماس كهربائي، فأعمال الصيانة الدورية للمواقع لم تعد كما كانت في السابق ولم يعد باستطاعة السكان أن يدفعوا المبالغ المالية اللازمة لأعمال الترميم، وخلال فترة الحرب لم يكن بالاستطاعة التحرك بحرية داخل المدينة القديمة بسبب خطر تساقط القذائف مما أدى إلى صعوبة تقديم الخدمات المقدمة في المدينة القديمة، وبعد انتهاء الحرب وحين بدأنا بتحديد الأضرار غير المباشرة التي تأثرت بها المدينة وجدنا مشكلات في تمديدات شبكة الكهرباء القديمة بسبب تأخر صيانتها في بعض المناطق”.

وحول الجهود المبذولة خلال سنوات الحرب الماضية في المدينة القديمة قالت قطيفان: “كان هناك جهود وطنية تبذل خلال تلك الفترة بحسب التمويل المتوفر حينها، وحتى نعوض هذا النقص تم إبرام اتفاقيات مع جهات خاصة رديفة للمؤسسات الحكومية منها NGO وهي جمعيات سورية غير حكومية إضافة إلى اتفاقية مع نقابة المهندسين من خلال لجنة التراث من أجل تقديم الاستشارات الخاصة بأعمال التدخل والتوثيق العمراني ضمن المدينة، إلى جانب اتفاقية مع كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق لذات الموضوع حتى نعوض النقص في الكوادر والخبرات المهاجرة والمتسربة نتيجة الأزمة”.

وقالت فطيفان: “هذه الجهود كنا نشرحها أولاً بأول في التقارير المقدمة لليونيسكو والتي تدرس من قبل لجنة من المنظمة تحدد المشكلات الموجودة لتحديد الخبرة الفنية المطلوبة لحلها وتقدم رأيها على المخططات، دون أن يكون لها وجود على الأرض بسبب الحصار المفروض على سوريا إضافة إلى أزمة انتشار وباء كورونا، ولذلك كنا نتواصل مع خبراء اللجنة عبر الإنترنت للحصول على الدعم الفني والتقني”.