واع / الكلب الأسود يشبه الكلب الأبيض/ آراء حرة / ضياء المياح
في أزقة شبه نظيفة تشكل حيٍّا قديما من أحياء المدينة، اعتادت القطط ان تبحث عن طعامها بين الحجارة وتتنفس هواءً لم يفسده بعد دخان الفوضى. كانت هذه القطط تحت حماية كلب أبيض يُدعى برهان. ورغم ان الجميع لم يتفق على أنه من سلالة عريقة، إلا انه امتلك شجاعة جعلته يقف حارسًا لها، يصدّ عنها هجمات الكلاب السائبة التي تجوب الشوارع بلا رادع. صار في نظر القطط حاميًا وملاذًا، يبعد عنها الخطر ويمنحها شعورًا بالأمان، حتى غدت حياتها أكثر هدوءًا تحت ظله.
لكن الأيام تغيّر ما في النفوس، والكلب الأبيض الذي بدأ حارسًا صار يتصرف كما يشاء، يمد مخالبه على طعام القطط ومائها، ويثقل كاهلها بأوامره، حتى غدا سيدًا متسلطًا أكثر منه حاميًا. في الجانب الاخر من المدينة، كانت الكلاب السوداء، التي طالما هزمها برهان، قد اجتمعت في الظلام، تتحين الفرص وتدبّر مكائدها، وتتربص بالكلب الأبيض حتى جاءت الفرصة المناسبة فاغتنمتها بقيادة كلب ضخم اسود يٌدعى غادر وأطاحت ببرهان لتزيحه من مكانه وتقتله في ليلة ظلماء شر قتلة، تاركة القطط في دهشة بين خوف وارتباك.
لم يكن سقوط برهان الكلب الابيض خلاصًا لما آلت إليه حال القطط الضعيفة ونهاية لمعاناتها، بل بداية عهد جديد أشد قسوة. وبدلا من ان يحكم القطط الضعيفة كلب ابيض واحد، صار مصيرها بيد مجموعة من الكلاب السوداء. القطط التي كانت تحلم بالحرية بعد سقوط الكلب الأبيض، وجدت نفسها في قبضة جماعة أكثر شراسة، لا تعرف الرحمة ولا العدالة. صار كل يومٍ أشد قسوة من الذي قبله، وتحولت البيئة شبه النظيفة إلى مكان ملوث تماما، تملؤه الأوساخ والقمامة، وصارت القطط تعيش بين الروائح الكريهة والفضلات المتراكمة.
كانت القطط تتأمل مصيرها، إذ أدركت أن الحارس الأبيض الذي تحول إلى سيد، والكلاب السوداء التي ادّعت الخلاص، لم يكونوا سوى وجوه مختلفة لذات المصير. فهي سلطة تبدأ بالحماية ثم تنقلب إلى استبداد، وفوضى تتزيّن لتخفي سوادها لكنها لا تعرف سوى النهب والسيطرة.
لم ينفع الكلاب السوداء تغييرها لهيئتها الخارجية، ولا تنظيّف فراءها، ولا رفع رؤوسها ولا لبس ثيابًا مصطنعة كي تبدو ذات أصول عريقة، والحقيقة أنها بقيت في جوهرها كلابًا سوداء سائبة، لا تعرف سوى النهب والسيطرة. لهذا راحت تتناوب الكلاب السوداء المسعورة على نهش القطط، تسلبها قوتها، وتتركها في بيئة ملوثة بالأوساخ والقمامة. ومع تراكم الفوضى، أصيبت أجساد القطط بالبراغيث والقراد، حتى صار المرض جزءًا من حياتها اليومية، كأن لا سبيل للخلاص منه.
في تلك اللحظة، بدت الامور واضحة؛ أن الأمل لا يكمن في تبديل الألوان بين أبيض وأسود. وإن سقوط المستبد لا يعني بالضرورة ميلاد الحرية، فقد يكون مجرد انتقال من يدٍ واحدة إلى أيادٍ سوداء كثيرة. ان الأمل يكمن في ولادة شيء آخر لا يشبههما، شيء لا يُعرّف بالفراء ولا بالهيئة، بل بما يزرعه من عدل في الأزقة وما يتركه من نور في الأنفس. وهكذا ظلّت الحكاية مفتوحة، كأنها تنتظر قوة لا تُرى بعد، قوة لا تُسمى، لكنها وحدها قادرة على أن تبدّد العتمة التي علقت في المكان.


